تأهيل

مُزودة بردود فعل حسية.. ابتكار “قدم اصطناعية”.. يُمكن الشعور بها!

“الأطراف الاصطناعية” المستخدمة منذ عصر الفراعنة حتى الآن، واحدةً من أفضل الحلول التي ساعدت الكثيرين لمتابعة الحياة بشكلٍ شبه طبيعيٍّ دون الحاجة لمساعدة الآخرين، وقد تطورت عدة تقنيات لصناعة وتركيب الأطراف الصناعية لتناسب مختلف الحالات الطبية.

ورغم أن الأطراف الاصطناعية تُعَد أكثر تطورًا مما كانت عليه في القرن العشرين، لا يزال عيبها الرئيسي أنها ليست جزءًا من جسم الإنسان، وبالتالي، لا يُمكن أن يشعر مبتورو الأطراف بها كما لو كانت عضوا حقيقيا، لذا يتوجب عليهم على الدوام مراقبة وضعية الساق، والتركيز عليها؛ حتى لا يقعوا أرضًا في أثناء المشي.

رغم أن الأطراف الاصطناعية تُعَد أكثر تطورًا مما كانت عليه في القرن العشرين، لا يزال عيبها الرئيسي أنها ليست جزءًا من جسم الإنسان

ونجح الباحثون أخيرا في تلافي ذلك العيب، بعد أن تمكنوا من تصميم ساق اصطناعية ثورية، يُمكن الإحساس بها، دون الحاجة إلى مراقبتها على الدوام.

وأظهرت دراسة نُشرت نتائجها مؤخرًا في دورية “ساينس ترانسيشنال ميديسن” البريطانية، نجاح الباحثين السويسريين في زراعة أربعة أقطاب كهربائية في العصب الظنبوبي الموجود بالفخذ، لإيصال إشارات كهربائية من الساق الاصطناعية وإليها، وهو ما يعني توصيل الساق بالجهاز العصبي الحسي الموجود عند مبتوري الأطراف، كي تعمل بطريقة شبه طبيعية، تُماثل إلى حدٍّ كبير الطريقة التي تعمل بها السيقان البشرية.

وذكرت الدراسة أن هناك مرحلتين من الحركة، في المرحلة الأولى يعطي الدماغ الأوامر للساق عبر مجموعة من الأعصاب المنتشرة في سائر أنحاء الجسم، تبدأ الساق في تلك المرحلة بتخفيف عبء دعم كتلة الجسم، إذ إن الساق التي تتحرك تتخفف من وزن الجسم الذي تحمله الساق الساكنة، تُسمى تلك المرحلة بـ “الدفع”.

وبعد ذلك، تأتي المرحلة الثانية، المُسماة بـ “الإطلاق”، وفيها تقوم الركبة بإطلاق سريع للطاقة المُخزنة في أوتار الكاحل، لتوليد دفعة قوية، تنطلق عبر عضلة الساق، التي تقوم بتضخيمها، تمهيدًا لتحريك الساق للأمام.

كومة من المعادن

حين تؤدي حادثةٌ ما إلى قطع ساق بشرية، تنقطع معها كل الصلات العصبية والعضلية. وبطبيعة الحال لا يُمكن تعويض تلك الصلات بالطرف الاصطناعي مهما بلغ تقدُّمه، فالأطراف الاصطناعية هي – في النهاية- عبارة عن كومة من المعادن والمفاصل المعدنية، التي لا يُمكن الشعور بها على الإطلاق، إذ إنها لا تستطيع تحقيق التوافق العصبي العضلي للعضو الجسدي الطبيعي مطلقا.

ولكن الباحثين في تلك الدراسة تمكنوا من تطوير ساق اصطناعية يُمكن أن تتوافق على المستوييّن – العضلي والعصبي- مع الجسم البشري. وصمم الباحثون ساقًا معدنية ذات نهاية مطاطية، وضع العلماء ثمانية مجسات مُتصلة إلكترونيًّا بأربعة أقطاب كهربائية مزروعة في العصب الظنبوبي، تقوم المجسات الثمانية الموجودة في باطن القدم الاصطناعية بقياسات مُتعددة تتعلق بالحركة، تشمل تلك القياسات “وزن الجسم، وانحدار السطح، وقيمة الضغط، وزاويا المشي” وتقوم بإرسال تلك المعلومات إلى الأقطاب الكهربائية المزروعة في عصب الفخذ، الذي يقوم بدوره بتوصيلها إلى الجهاز العصبي المركزي، وبالتالي يستطيع الشخص المشي بسهولة ويُسر، ودون الحاجة إلى مراقبة وضعية الساق الاصطناعية.

يُعد ذلك العضو أول طرف اصطناعي في العالم مزود بردود فعل حسية لمبتوري الساقين فوق الركبة

ويقول الباحث الرئيسي للدراسة، ستانيسا راسبوبوفيتش، الذي يعمل في قسم العلوم الصحية والتكنولوجيا بمعهد الروبوتات والأنظمة الذكية في زيورخ: إن ذلك التصميم “طور مشاعر استعادة الساق من أجل مبتوري الأطراف ذوي الإعاقة الشديدة”، مشيرًا في تصريحات صحفية إلى أن تلك الساق ساعدتهم على تجاوز العقبات وتسلق السلالم بشكل أسرع، “وهما مهمتان في غاية الصعوبة بالنسبة لمبتوري الأطراف”، على حد قوله.

أطراف صناعية
أطراف صناعية

ويُشير “راسبوبوفيتش” إلى أن تلك الساق الإلكترونية “مُتكاملة مع العصب المتبقي في الفخذ”، وهو الأمر الذي يُساعد أدمغة مبتوري الأطراف على اعتبار تلك الساق “امتدادًا للفخذ الطبيعية”، وهو أمر يصفه الباحث بـ”المذهل”؛ إذ سيؤدي إلى “زيادة ثقة المستخدمين، وانتشار واسع لتلك التقنية في المستقبل”.

العضو الجديد “يسد فجوةً كبيرةً في منظومة إعادة تأهيل المعاقين” كما يُمكن أن يُسهِم مستقبلًا في تطوير “جيل جديد من الأطراف الاصطناعية

آلية العمل

يرى الباحث في قسم الهندسة الطبية الحيوية بجامعة كيس ويسترن ريزيرف بأوهايو “داستن تايلر” – وهو باحث غير مشارك في الدراسة- أن آلية عمل الطرف الجديد المعتمدة على التحفيز العصبي من خلال الأقطاب الكهربائية المزروعة “ثورية للغاية”، مشيرًا في تصريحات صحفية إلى أنها –على الرغم من كونها قديمة نسبيًّا- تُحسِّن من استعادة الأحاسيس بصورة شبه طبيعية، وهو الأمر الذي يدعم الحواس، ويُحسِّن من الأداء الوظيفي للطرف الاصطناعي، كما يُحسِّن من التجربة النفسية والاجتماعية لمبتوري الأطراف.

ويرى “تايلر” أن العضو الجديد “يسد فجوةً كبيرةً في منظومة إعادة تأهيل المعاقين” كما يُمكن أن يُسهِم مستقبلًا في تطوير “جيل جديد من الأطراف الاصطناعية التي يُمكن أن تُمكِّن مَن يحتاجها من أداء الوظائف الشاقة التي تعتمد على اليد أو القدم بصورة كاملة”.

يُعد ذلك العضو أول طرف اصطناعي في العالم مزود بردود فعل حسية لمبتوري الساقين فوق الركبة. ويقول “تايلر” إن تصنيعه سيمثل “ثورة في عالم الأطراف الاصطناعية”.

“تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها بساقي منذ سنوات”، يقول “ريزانوفيتش”، الذي زوده الباحثون بالساق الجديدة، مشيرًا إلى أن الأمر “مُشوِّق ومثير”؛ وللمرة الأولى منذ بتر ساقي أشعر بالراحة في أثناء المشي، وكأنها قدمي الطبيعية”!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى