العالم يقرأ

قصة “رحلات الفضاء”.. من الصواريخ العسكرية إلى المَركبات الروبوتية

“رحلات الفضاء: تاريخ موجز“، كتاب جديد يأتى ضمن الإصدارات المترجمة لمؤسس هنداوي بالقاهرة، تأليف “مايكل جيه نيوفِلد” كبير المُنسِّقين في قسم تاريخ الفضاء بمتحف الطيران والفضاء الوطني التابع لمؤسسة «سميثسونيان» في واشنطن. الترجمة لـ “هبة عبد العزيز غانم”.

ووفق الكتاب، تُعد رحلات الفضاء أحد أعظم الإنجازات البشرية في القرن العشرين. في البداية، أطلق السوفييت “سبوتنيك”، أول قمر صناعي، في عام ١٩٥٧؛ وبعد أقل من اثني عشر عامًا، هبط رُواد الفضاء الأمريكيون على متن المَركبة “أبولو” على سطح القمر.

يوضح المؤلف أن “برنامج الفضاء” ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مكافئًا لرحلات الفضاء المأهولة؛ فمنذ الستينيات كانت المَركبات الفضائية العسكرية والتجارية غيرُ المأهولة تدور حول الأرض، والتقطت مَركباتُ الفضاء الروبوتية التي استكشفت الفضاء العميق صورًا مذهلة للكواكب البعيدة.

سباق الحرب الباردة

يبدأ المؤلف كتابه بأصول رحلات الفضاء واكتشاف إمكانية الاستعانة بعلم الصواريخ في هذا المجال، ثم يناقش سباق الفضاء السوفييتي الأمريكي أثناء الحرب الباردة، ويتناول تدويلَ رحلات الفضاء المأهولة وخصخصتها بعد الحرب الباردة، والتأثيرَ الثقافي لأفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن الفضاء، ومنها “ستار تريك” و”حرب النجوم”، والسياحةَ الفضائية لذوي الثراء الفاحش، ورغبة الناس في الذهاب إلى الفضاء.

أحلام رحلات الفضاء

ظلَّت السماء لآلاف السنين عالَم الآلهة والكائنات الأسطورية، ولم تكن قطُّ مكانًا يُمكن للمرء أن يتخيَّل السفر إليه، باستثناء القمر الذي جعله وجهُه المرئي يبدو كعالَمٍ حقيقي. ولكن مع ذلك، لم تكن ثَمَّة وسيلةٌ للذَّهاب إليه غير الوسائل الخارقة للطبيعة. ورويدًا رويدًا أضحى بوُسعنا أن نتخيَّل إيجاد تكنولوجيا للهروب من كوكب الأرض في القرنَين الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشر، مع ظهور المناطيد، والسكك الحديدية، والسفن البخارية، وغيرها من الإنجازات التي تبدو إعجازيةً في وسائل المواصلات والاتصالات. ثمَّة تأثير آخر مُهم وهو بزوغ علم الفلَك الحديث في أوروبا؛ إذ حوَّل القمر والكواكب إلى أماكن يستطيع المرءُ تخيُّل السير عليها، حتى وإن كان الذهاب إليها يبدو مستحيلًا.

حكايات خيالية

بحسب المؤلف: “نُشِرَ الكثير من الحكايات الخيالية، بل التهكُّمية، مُصوِّرة السفرَ إلى الفضاء، ولكن أكثرها تأثيرًا كانت مؤلَّفات الكاتب الفرنسي جول فيرن؛ فقصته «من الأرض إلى القمر» (١٨٦٧) ومُكمِّلتها حول القمر (١٨٧٠)، كانتا مثل باقي مؤلَّفاته في الخيال العلمي تضعان معيارًا جديدًا للواقعية التكنولوجية. وبصرْف النظر عن حقيقة أنَّ المدفع العملاق الذي استخدمه لقذف المسافرين للفضاء كان سيسحقُهم على الفور في لحظة إشعاله، إلا إنه ألهمَ الحالِمين لتخيُّل رحلة للقمر وكيف يمكن حلُّ تلك المُعضلة”.

يؤكد المؤلف ان أحد هؤلاء الحالمين كان كونستانتين تسيولكوفسكي، الذي وُلِد عام ١٨٥٧، الذي انتصَر على إعاقة السمع ليُصبِح مدرِّسًا في كالوجا بروسيا القيصرية. كان مهووسًا في وقت فراغه بابتكار أفكارٍ لرحلات الطيران في الجو وفي الفضاء. وقضى وقتًا في تطوير أفكار المناطيد ذات المحرِّكات أطول ممَّا قضاه في مَرْكبات الفضاء، ولكنه استوحى أفكاره من فيرن وأيضًا من فلسفةٍ روسية غريبة يُطلق عليها “الكَوْنية”، وهي فلسفة ترى أنَّ اختراع السفر عبر الفضاء ربما يُؤدِّي إلى كمال البشرية وإعادة إحياء الموتى، وشرع أيضًا في البحث عن طريقةٍ لقذف الأشياء في الفراغ. وبحلول عام ١٨٨٣م أدرك أنَّ الصاروخ يمكن أن ينجح في هذه المهمة.

استخدم الصواريخ

لم يكن استخدامُ علم الصواريخ في رحلات الفضاء أمرًا واضحًا بأي حالٍ من الأحوال. كان الصينيُّون قد اخترعوا صواريخَ المسحوق الأسود نحوَ عام ١١٠٠ قبل الميلاد، كتطويرٍ لصواريخ البارود. وأصبحت مهمةً في الألعاب النارية وفي الحروب، خصوصًا في آسيا، وانتقلت إلى أوروبا في أواخر العصور الوسطى. وحَظيَت الصواريخ بفرصةٍ ثانية للحياة في الحروب النابوليونية، عندما طوَّر المخترع البريطاني ويليام كونجريف أغلفةً حديدية وأجرى تعديلاتٍ أخرى جعلتها أكثرَ تنافسيةً مع المدفعية التقليدية.

ولكن عِلم الصواريخ خَبا وهجُه مرةً أخرى في أواخر القرن التاسع عشر نظرًا إلى أنَّ مواسير البنادق كانت تُتيح دقةً أكبرَ في التصويب. مرة أخرى، نظرًا إلى أنَّ الصواريخ لم تكن سوى ألعابٍ نارية، فلم يكن ثَمة إمكانيةٌ واضحة لأن تَحمل على متنِها مَركبةً بتلك السرعات التي لا يمكن تخيُّلها لرحلات الفضاء: ١٧٥٠٠ ميل في الساعة لمدار الأرض المنخفض و٢٥٠٠٠ ميل في الساعة للهروب من الأرض، في الوقت الذي لم تكن فيه أية مركبة مأهولةٍ قد سافرت حتى ذلك الحين بسرعة ١٠٠ ميل في الساعة. علاوة على ذلك، أدرك قليلون أنَّ قانون الحركة الثالث لإسحاق نيوتن الذي ينصُّ على أن «لكل فعلٍ رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضادٌّ له في الاتجاه» (كما في رِدَّة فعل البندقية) ينطبق أيضًا على الصواريخ. وكانت الفكرة الخاطئة المُسيطرة هي أنَّ دفقة العادم تحتاج إلى هواء لتدفع الصاروخ إلى الأمام.

تحفيز الخيال

وفى مستهل القرن العشرين حفَّزَت الرحلات الجوية المذهلة للطائرات والمناطيد ذات المحركات الخيال. فإذا كان البشر يستطيعون الطيران في الغلاف الجوي، فماذا عن تجاوزه؟ وتجلَّى الرابط بين الاثنَين واضحًا في حالة الفرنسي روبرت إسنو بيلتيري، الذي كان طيَّارًا ومخترعَ طائرات مهمًّا، بدأ في التفكير في رحلات الفضاء باعتبارها التحديَ التالي. ونشر ورقةً علمية تسرد جزءًا من النظرية في ١٩١٢، ولكنه كان يتخيَّل أن الطاقة الذرية المُكتشَفة حديثًا يجب استغلالها بطريقةٍ ما لتوليد السرعات المطلوبة، وفاتتْه احتمالات الصاروخ ذي الوقود السائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى