ريادة

ريادة الأعمال الاجتماعية.. أفضل الخير ما استثمرت فيه علمك وخبرتك

تتعدد أشكال الخير ومراتبه فـ”كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الإثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة”.. إلى آخر الحديث المشهور، فلا عليك إن فعلته، لكن في تقديري فإن من أكثر ألوان الخير تأثيرا ونفعا – والله أعلم – هو ذلك الذي تستثمر فيه سابق علمك وخبرتك، فتضيف إليه من وحيهما ابتكارا وإبداعا يزيد من نفعه، فتحل به مشكلة مزمنة بطريقة مبتكرة ومستدامة تتعدد منافعها، وهذا ما يسمونه بريادة الأعمال الاجتماعية Social Entrepreneurship.

أديم يونس Adeem Younis هو أحد شباب الجيل الثالث من المسلمين البريطانيين الناجحين، حيث أثبت كفاءة في إدارة المؤسسات، سواء مؤسسات الأعمال، أو المؤسسات الخيرية، ففي خلال هذا العام تم تكريم أديم مرتين، الأولى في يونيو الماضي بحصوله على جائزة أفضل رائد أعمال في مدينة ويكفيلد Wakefield لعام 2018، والثانية في أواخر سبتمبر الماضي بحصوله على جائزة أفضل رئيس لمؤسسة خيرية (في إطار جوائز القطاع الثالث على مستوى بريطانيا) لعام 2018 أيضا، فضلا عن حصوله على عدة جوائز في ريادة الأعمال في عام 2017.

أديم هو أحد أفراد الجيل الثالث لأسرة مهاجرة من باكستان، حيث سكن جده – الذي الإمبراطورية البريطانية قد جندته في الحرب العالمية الثالنية – في مقاطعة يوركشاير (شمال شرق إنجلترا)، وفي كلية ويكفيلد (إحدى مدن مقاطعة يوركشاير) درس أديم التصميم، بينما كان شغوفا بتكنولوجيا المعلومات، وفيها عمل في أحد محلات البيتزا، وفي غرفة مكتب صغيرة فوق ذلك المحل بدأت مسيرته في قطاع الأعمال في أغسطس من عام 2000، بينما كان عمره 20 عاما، ولا يزال يدرس بالكلية، حيث أسس هو وصديق له أول موقع إليكتروني لتزويج المسلمين والمسلمات في بريطانيا SingleMuslim.com، وفور افتتاح الموقع مباشرة، حصلوا على أول تسجيل به، وبدأ العمل ينمو ببطء من خلال الكلام من شخص لآخر، خاصة من خلال المجتمعات الطلابية. وخلال مشاركته في المسيرات ضد غزو العراق، كان أديم يحمل أيضا منشورات دعائية عن الموقع إلى أي مسلم يقابله. وفي السنوات اللاحقة، نمت شركة SingleMuslim.com لتصبح اللاعب المسيطر فيما أصبح سوقًا تنافسيًا لمواقع تزويج المسلمين. يقول مالك خان، كبير مسؤولي العمليات بالشركة (ضمن تقرير صحيفة الجارديان عن الشركة في نوفمبر 2017)، “أنه في الثقافات الغربية غالباً ما تتم المواعدة بين الشباب والشابات في الحانات والنوادي، مما يحد من الأماكن التي يمكن للمسلمين الملتزمين أن يلتقوا بها مع الشريك المستقبلي.” وهو ما ساهم في إقبال الشباب المسلم على الخدمة التي يقدمها الموقع، والذي ما يقرب من مليون مستخدم نشط في المملكة المتحدة وتتوسع الشركة دوليا.

(يشير تحليل حركة المرور إلى أن هناك حوالي 1.4 مليون صفحة تتم مشاهدتها في الشهر). ولأنه في موقع الزواج وليس موقع للتعارف والمواعدة، فإنه حقق نسبة نجاح عالية بلغت 50 ألف حالة زواج تمت من خلال الموقع، الآن وعلى بعد نصف ميل من المكتب القديم، يقع مقر الشركة في مبنى فيكتوري كبير من ثلاثة طوابق في مقابل قاعة بلدية ويكفيلد. حيث يعمل فريق من أكثر من 30 موظف.

وقد مكنت البيانات الغنية التي توافرت لموقع الشركة على شبكة الإنترنت أديم يونس من إنشاء مشاريع أخرى. وأهم تلك المشاريع عي الجمعية الخيرية الإنسانية بيني أبيل Penny Appeal، التي جمعت في عام 2016 ما يقرب من 14 مليون جنيه استرليني، معظمها من أعضاء موقع الزواج، وتعمل الآن في جهود الإغاثة في حالات الكوارث، من برج جرينفيل إلى هايتي.

وكما أشار بيان جائزة القطاع الثالث في تعريفه لأديم ومؤسسته Penny Appeal: أديم يونس البالغ 37 عاما هو رجل أعمال وناشط إنساني من مواليد يوركشاير أسس الجمعية الخيرية الإنسانية الدولية Penny Appeal. والتي سجلت مرتين كأسرع المؤسسات الخيرية نمواً في قطاعها من قبل موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وهي تعمل في أكثر من 30 بلداً وفي المملكة المتحدة حيث تشمل خدماتها خدمة الكفالة والتبني، وتقديم المشورة بشأن العنف المنزلي كما تدير عددا من بنوك الطعام ومطابخ الحساء. ومن خلال إشراف ورؤية أديم نما دخل المؤسسة الخيرية السنوي من أكثر من 117 ألف جنيه إسترليني إلى أكثر من 24 مليون جنيه استرليني في أقل من 6 سنوات مع أكثر من 200 موظف في المملكة المتحدة وأكثر من ذلك في الخارج. وشمل النمو الأخير للمؤسسة التوسع في الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وجنوب أفريقيا وماليزيا والإمارات العربية المتحدة، وتهدف المؤسسة لإنشاء المزيد من المكاتب الدولية في المستقبل القريب.

وقد كانت وحدة الاستجابة الطارئة الداخلية في Penny Appeal واحدة من أوائل المستجيبين لفيضانات كومبريان في عام 2015، وحريق برج جرينفيل، وتفجيرات مانشستر أرينا وهجمات لندن بريدج عام 2017. وقد تلقى عملهم المعترف به من قبل جلالة الملكة، وعمدة لندن، وعدد من التقارير البرلمانية تغطية إعلامية واسعة النطاق، وكل هذا أصبح ممكنا من خلال التفاني والدعم اللافت للمؤسس الحالم، أديم يونس.

وتعرف Penny Appeal نفسها على موقعها بأنها قد تم إنشائها في عام 2009 لتوفير الإغاثة من الفقر في جميع أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا من خلال تقديم حلول متعلقة بالمياه وتنظيم الإطعام الجماعي ودعم ورعاية الأيتام وتوفير الغذاء والمساعدات الطبية في حالات الطوارئ.

وقد نما عمل المؤسسة وفرق عملها بشكل كبير في سنوات قليلة مما سمح لها بإطلاق العديد من الحملات الجديدة والعمل في المزيد من البلدان المتضررة.

وتعد الطريقة البسيطة للمؤسسة في الأعمال الخيرية ذات تأثير كبير. حيث تعطي الفرصة للتبرع بمبالغ قليلة، بما يضمن استطاعة الجميع المساعدة من خلال التبرع ببضعة قروش كل يوم، ومن هنا جاء شعار المؤسسة “نحن نأخذ القليل من الفكة، لنصنع بها فرقا كبيرا”.

وجميع مشاريع المؤسسة مبنية ومصممة لتكون سهلة المنال وفعالة. فهي مزيج من الدعم في حالات الطوارئ والإغاثة قصيرة الأجل، والتدخلات المستدامة على المدى الطويل. ويعني هذا النهج متعدد التركيز أنه يمكن إنقاذ الأرواح على الفور، وتحسين الأوضاع في الأيام والأسابيع القليلة التالية للكوارث، مع العمل على تحسين أحوال المجتمعات لسنوات قادمة.

يثبت هذا الجيل من قادة المؤسسات المسلمين من الأجيال الأصغر والذين نشأوا في بريطانيا وفي الغرب عموما، أنهم أكثر ذكاء في التعامل مع مجتمعاتهم، والاندماج فيها، وفهم متطلباتها وطرق ومداخل التعامل معها، وتنمية الموارد وتشبيك العلاقات لتحقيق ذلك.

د. مجدى سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى