مراحل حاسمة

المدخل:
عندما نُراجع أنفسَنا عن الإجراءات التي اتُّخذت للحدّ من أسباب الإعاقة وتأهيل ما في مجتمعنا من معوقين، وعندما نتساءل عن المعوقات التي تواجهنا في جهودنا الرامية إلى خدمتهم، والحرص الدائم على وضع الإستراتيجيات الكفيلة بسدّ الثغرات والوصول رقمياً إلى الغاية القصوى من التأهيل. عندما نراجع أنفسنا بصدق وعلمية متناهية نجد أنفسنا أمام ثلاث حقائق تمثل طبيعتنا العربية الإسلامية الكريمة كما تُمثل النخوة والغيرة والإندماج لفعل الخيرات.
الحقيقة الأولى:
إن الدولة أعزها الله قد أنهت فترة التشتت في رعاية المعوقين، عندما أَوْكلَتْ ملف الإعاقة لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظه الله”، وبدأت في البلاد فترة التكامل المعتمد على خطط ومؤسسات وكفاءات وطنية تعتمد الإستراتيجية البراغماتية في معالجة الأمور. ومن أهم هذه الإستراتيجيات تقدير ودعم سموه حفظه الله للمركز المشترك الذي تَمثَّل في العديد من الأوامر السامية، وبخاصة الأمر السامي الكريم رقم(2) 1370/س/خ تاريخ 26/3/1418هـ. الموجه من سموه حفظه الله إلى معالي وزير المالية والأمر السامي الكريم رقم 1369/س/خ تاريخ 26/3/1418هـ الموجه كذلك من سموه حفظه الله إلى معالي وزير الصحة. حيث يتضح حرص الدولة المطلق على إنهاء أزمة المعوقين وإلغاء قوائم انتظارهم والبدء بتأهيلهم وفقاً لحاجاتهم ولظروفهم الصحية والاجتماعية.

الحقيقة الثانية:
لقد كان للتعاون المستمر والمخلص والدوؤب بين المركز المشترك والجهات المعنية بالتأهيل في وزارة الصحة الأثر الأكبر في تحقيق المركز لأهدافه، حيث أن المركز هو ثمرة تعاون وثيق بين هذه الوزارة الموقرة وجامعة الملك سعود، والتاريخ لن ينسى المواقف النبيلة والمؤثرة لمعالي وزير الصحة الأستاذ الدكتور/ أسامة بن عبدالمجيد شبكشي في تأييد ودعم مرحلة تطوير المركز التي تبدأ مع بداية ميزانية العام المالي 1418/1419هـ، فقد كان معاليه أشد العشرة في دعم وتنفيذ هذه الخطة لما لها من أبعاد إيجابية في خدمة المعوقين والإطمئنان على برامج تأهيلهم المستقبلية.
الحقيقة الثالثة:
الإستجابة الرائعة التي لمسناها في المركز المشترك من السادة المعنيين في وزارة المالية والاقتصاد الوطني بتوجيه كريم من وزيرها معالي الأخ الدكتور ابراهيم بن عبدالعزيز العساف لتنفيذ إصدار الميزانية المقررة للمركز والتي ستعتمد عليها خطط الخدمات والأبحاث وتأهيل المعوقين للأعوام 1998/2000م بإذن الله وتوفيقه.
إننا في المملكة العربية السعودية نتصرف والحمد لله كأسرة واحدة ونتعاون يداً بيد وقلباً على قلب على أهداف نبيلة حددها ديننا الإسلامي العظيم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أطال الله في عمره، ولذا فإننا على يقين من إمكانية الوصول إلى أهدافنا المحددة نوعية وزماناً. ومرْكَبٌ هذا رُبَّانُه وفيه ” الكثير مرْكبٌ آمِنٌ لا يغرق. والله من وراء القصد.

المقدمة:
لقد ولّى الزمن الأغبر الذي اعتبر المعاق فيه لعنة على مجتمعه، فهو الآن إنسان كغيره من أفراد المجتمع، له دوره التنموي الذي يتناسب مع وضعه الخاص وله حقوقه وبرامجه، وهو الآن يُستشار في تقرير هذه الحقوق، فخلال مؤتمر جمعية التأهيل الدولي الذي عقد في كندا سنة 1980م حيث شارك إضافة إلى الوفود الرسمية أكثر من 200 معوق رفعوا شعار «نحن أعرف بأنفسنا وبحقوقنا». وفيه تم تحديد التأهيل على أنه «أفضل السبل الصحية والتربوية والاجتماعية والمهنية، بشكل منسق وموّحد لمساندة الفرد صاحب العجز من أجل تحقيق أعلى مستوى من الفعالية لدمجه في مجتمعه». وعرِّف التأهيـل كذلك على انه النشاطات الموصلة إلى الوضع الاجتماعي الأفضل في النواحي النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبذلك يكون المفهوم الأشمل للرعاية الاجتماعية هو ذلك المعنى الشامل لكافة البرامج المؤدية إلى الحياة الآمنة ورفاهية الشعب. وهذا ما يمثله نظام الرعاية الاجتماعية في الإسلام.
وكما يُطور ويؤصل الزمن مفاهيم التأهيل والرعاية الاجتماعية، فإنه هو الآخر يعقّد قضايا الإعاقة التي أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتطور التقني المادي للإنسان وبالمخاطر والكوارث الطبيعية والصناعية المحيطة به، وبخاصة التلوث البيئي ومخاطر الحروب والألغام والإشعاعات والتفاعلات البيولوجية والكيماوية.
وتنطبق هذه القاعدة الطردية مع الشيخوخة ورعاية المسنين حيث تتزايد تقنيات ووسائل رعايتهما، بينما تتعاظم الشريحة المحتاجة لمزيد من الخدمات التأهيلية والصحية لا سيّما وأن عدد المسنين يتزايد بمعدل يصل إلى 2.5% في السنة مما يعني أننا سنكون أمام تحديات قضية مركبة من المعوقين والمسنين ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين.
لقد تبارت الأمم المتقدمة مادياً وحضاريا ً كالسويد واليابان والولايات المتحدة الأمريكية بالخدمات للمعوقين والمسنين، فهي تضع لهذه الخدمات القوالب التشريعية والاجتماعية لتصبح تدريجياً جزءاً لا يتجزأ من النظام الدستوري لهذه البلاد، بهدف تحقيق الحياة الآمنة المطمئنة للمواطنين وإشراكهم في النهضة والتنمية لبلادهم. ويكفي أن نعلم أن السويد قد حصرت الأشكال المختلفة للمعوقين فيها في قاعدة معلومات آلية موحَّدة، يمكّن بواسطتها وبثوان قليلة سرد المعلومات الخاصة بالمعاق من حيث إعاقته والخدمات المقدمة إليه صحياً ومالياً وغير ذلك.ونحن في المملكة العربية السعودية وإن كنا على أجود المستويات في الخدمات التأهيلية مقارنة بدول العالم الثالث إلاّ أننا نتطلع دائماً لتحقيق ما وصلت إليه الدول المتقدمة في رعاية المعوقين، ضمن الأطر الإسلامية الأصيلة وهي الأسبق والأشمل في الرعاية الاجتماعية الشاملة.
إن بلادنا العربية لا تزال بحاجة ماسة لتطوير أنظمتها وخدماتها في الرعاية الاجتماعية بحيث تلتزم في خططها بخطين متوازيين: أولهما الخط الحضاري الإسلامي الذي ضمن كرامة الإنسان وصحته وأساسياته الأخرى، وثانيهما الخط الوضعي الذي خطى خطوات واسعة ومتّزنة وفعّالة أحياناً في رعاية المعوقين وتنظيم الحياة الاجتماعية لعامّة فئات المجتمع السليمة والمعاقة.
لقد أصبحت الرعاية الاجتماعية علماً متكاملاً بأصوله وفروعه، ولم يعد مقبولاً أن تظلَّ (كما هو الحال في بلادنا اليوم) رهناً بالاجتهادات والتأويلات، لا سيّما وأن العالم قد قفز في تأهيل المعوق داخل مجتمعه نحو آفاق رحبة للوقاية من الإعاقة عبر الكشف المبكر والتدخلات التأهيلية للأطفال والبالغين من ذوي الإعاقات المختلفة، إضافة إلى تنمية السلوك والتعاضد الاجتماعي وغير ذلك من الأساليب والاستراتيجيات الحديثة التي سنمر بها في هذا الكتاب بإذن الله». وإننا إذ نخطط اليوم للتأهيل (بالشكل العام) فإننا مسبوقون عالمياً بأكثر من نصف قرن من الزمان، وعلينا أن نضاعف من سرعتنا وأن نكثف من جهودنا لنلحق بالركب العالمي لا سيّما وأننا جزءٌ أساسي من بنائه الدولي ومن مؤسساته المتخصصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.