عندما يصبح الكلام واجباً


عند إمعان النظر في تاريخ الأمة العربية ـ الإسلامية، نجد أنها عبرت خمسة قرون من التأسيس السياسي والحضاري، وخمسة قرون من الصراعات العالمية، وخمسة قرون من الانكماش والانكسار والتقهقر:
خمسةُ قرون من الدول القلقة، والأنظمة المتضاربة والمتنافرة، والتحالفات المشبوهة، والفكر الأصولي… خمسة قرون من الحضارة والمساهمات الجادّة في الصرح الإنساني الكبير.


وخمسة قرون من الصراعات مع الداخل والخارج: الصراعات المذهبية والمناطقية، ثم الصراعات مع أوروبا وفي أوروبا، ثم الصراعات مع التتار، ثم عودة الصراعات إلى الشرق مع كل هؤلاء…
وخمسة قرون من التخلّف والجمود على زمن ­الإمبراطورية العثمانية، التي وإن حافظت على حدود الأمة ومقدساتها، و بعض دينها وتراثها، إلاّ أنها في الوقت ذاته قولبت المنطقة في جمود يؤدي إلى جمود، وضغطت العقول تحت صليل السيوف ودخان البارود، حتى أصبحت الأمة في قعر الوادي، بينما تتسابق بقية الأمم على الهضاب والقمم…

والآن، وقد مضت الأيام الأخيرة من القرون الأخيرة، نراقب ما مضى للعبرة والاعتبار، ونحاول الدخول في العالم الجديد. ولكن كيف السبيل للدخول إلى هذا العالم الجديد، ونحن مشدودون إلى القرون الماضية، منغمسون في قلقها وتنافرها وأصوليتها وصراعاتها وتخلفها… كل ذلك دفعة واحدة؟!!. ماذا نأخذ من القرون الماضية وماذا نترك منها؟، ماذا يلزمنا من ذلك التراث؟! بماذا نتمسك ومِمَ نتحلل؟! بماذا نصارع ومَن نصارع؟ وما هي معادلات الدخول إلى المدينة الجديدة؟!

هذه هي الأسئلة وتلك هي القرون الأولى، وبقدر الإجادة في الفهم، على ما أرى، نؤهل أنفسنا للزمن القادم..
هذا الكتاب هو تلك القرون وتلك المراحل مختصرة في عقلي وفي تجربتي وفي معاناتي، ولذلك فهو مرحلة وسطى بين السيرة الذاتية وتأصيل المشروع النهضوي الذي ضاع في لجة التنظير الفوضوي حيناً، وفي لجة الاستيراد العشوائي للأفكار والأيدلوجيات حيناً، وفي لجة الأنانية والتقوقع أحياناً أخرى.

والكتاب هو أنا: من واقع نجديّ محافظ، وهو أنا: من واقع تقني حديث، وهو أنا: من روحانية الشافعي وانفتاح ابن حزم الأندلسي…


والكتاب موضوع بهدف العرض والتصحيح، وبهدف التأطير والتأصيل، بعيداً عن الادّعاء والدخول في متاهات التاريخ والجغرافيا والأرقام والحسابات، فهذه كلها عناصر أساسية في أهداف المشروع النهضوي الذي نسعى لعرض عناوينه ومعالمه، ولكنها تغدو بحراً هائجاً، لا يصلح للإبحار نحو ­النظام العالمي الجديد، ولا لصيد الطري من الأسماك والحيتان، ولا للمتعة والتأمل… لذلك كله، فالقليل من الاصطلاحات عندي، أفضل من الكثير منها، عندما يكون القليل معبِّراً عن الكثير، والقليل من الخلافات والاختلافات عندي، أفضل من نشر الغسيل القذر، إلاّ عندما تفوح روائح العفن، وتمتلئ الجحور والزنزانات بالأبرياء… عندها تصبح التفاصيل أساس ما أكتب، وعندها يصبح الكلام واجباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.