ربيع العمر

بعض الأنظمة الغذائية تُقلل من وتيرة الشيخوخة.. والصيام المتقطع يُمكن أن يُسهم في خفض معدلاتها

يذهب بعض الأطباء إلى ان الشيخوخة ناجمة عن الإصابات الناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية بمرور الوقت، أو المنتجات الثانوية لعملية التمثيل الغذائي، في حين تزعم نظرياتٌ أخرى أن الشيخوخة عملية محددة سلفًا تتحكم فيها الجينات؛ فلا توجد عملية واحدة يمكن أن تفسر كل التغييرات التي تحدث في الشيخوخة، فهي عملية معقدة تختلف من حيث كيفية تأثيرها على الأشخاص المختلفين وحتى على الأعضاء المختلفة.

وسواءٌ كانت التأثيرات المؤدية إلى عملية الشيخوخة هي الوراثة، أو البيئة، أو الثقافة، أو النظام الغذائي، أو الأمراض، أو كل تلك الأشياء مجتمعة، فالحقيقة الوحيدة أنها تحدث حتمًا، ولا أحد يستطيع إيقافها إلى الأبد، فقط يُمكن إبطاؤها لبعض الوقت عبر اتباع الأنظمة الغذائية الصحية وممارسة الرياضة.

العمر البيولوجي

في كثير من الأحيان، نقيس العمر بإحصاء سنواتنا منذ الولادة، لكن خلايانا لا تعرف شيئًا عن السنوات، فقد تتقدم أعضاؤنا وأنسجتنا بسرعة أكبر أو ببطء بغض النظر عما نتوقعه من حساب الأيام، لهذا السبب يبحث العديد من العلماء عن تطوير طرق لقياس “العمر البيولوجي” لخلايانا، الذي يمكن أن يكون مختلفًا عن عمرنا الزمني.

من الناحية النظرية، مثل هذه المؤشرات الحيوية للشيخوخة يمكن أن توفر مقياسًا للصحة ويمكن أن تُحدث ثورةً في الطب؛ إذ يمكن للأفراد استخدام مؤشر حيوي للشيخوخة من أجل تتبُّع العمر البيولوجي لخلاياهم بمرور الوقت وقياس تأثير النظام الغذائي والتمارين الرياضية والأدوية والتنبؤ بآثارها لإطالة العمر أو تحسين نوعية الحياة، كما يمكن تصميم الأدوية وتحديدها بناءً على تأثيرها على العمر البيولوجي، بعبارة أخرى، يمكننا البدء في علاج الشيخوخة نفسها.

ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن أيّ مقياس دقيق لعمر الخلايا البيولوجي، غير أن بحثًا جديدًا نشرته دورية “بلوس كومبيوتاشينال بيولوجي” “PLOS Computational Biology” قد يُقدم حلًّا لتلك المشكلة.

أدخل مصطلح “العمر البيولوجي” الذي يتمحور حول معدل سرعة تدهور خلايانا والأضرار التي تلحق بها كمقياس للشيخوخة، وبينما يزداد العمر الزمني بالمعدل نفسه بالنسبة للجميع، يختلف معدل الشيخوخة البيولوجية من شخصٍ إلى آخر، ويمكن أن يتأثر بعوامل الصحة ونمط الحياة.

يقول سامح سعد، مدير برنامج بيولوجيا الأورام بمستشفى 57357، وغير المشارك في تلك الدراسة: إن الشيخوخة عملية مُعقدة للغاية، تحدث ضمن آليات ليست مفهومةً بالكامل حتى الآن.

يقول “سعد” في تصريحات لموقع “للعلم”: هناك بعض الخلايا القادرة على تجديد نفسها بسرعة كبيرة، مثل خلايا الدم والجلد والشعر، في حين تفتقر خلايا أخرى مثل خلايا القلب والخلايا العصبية إلى تلك القدرة وتُجدد نفسها ببطء شديد؛ فمعدلات إصلاح التلف تختلف من خليةٍ إلى أخرى، كما تختلف أيضًا معدلات انقسام الخلايا، سواءٌ داخل جسم الكائن الحي، أو باختلاف الأنواع.

عملية برمجة

تحدث عملية الشيخوخة إما نتيجةً لعملية برمجة مدفوعة بالجينات، أو كنتيجة مباشرة لأحداث لا تُسأل البرمجة عنها، يقول “سعد”: هناك العديد من المُحدِّدات البيئية التي يُمكن أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في عملية الشيخوخة سواء سلبًا أو إيجابًا؛ فبعض الأنظمة الغذائية تُقلل من وتيرة الشيخوخة، كما أن الصيام المتقطع يُمكن أن يُسهم في خفض معدل الشيخوخة، كما أن مبدأ استخدام الخلايا وتلفها وإعادة تجديدها يُمكن أيضًا أن يُسهم في تلك العملية.

لذا، وعلى حد ما يقول “سعد”، فإن العلماء في سباقٍ من المحاولات للحصول على “مؤشر” يُمكن أن يُعطي تنبؤًا صادقًا بمعدلات الشيخوخة، “وهو أمرٌ لم يحدث بعد”.

ويعتمد حساب العمر البيولوجي على فهمٍ شاملٍ لعملية الشيخوخة على المستوى الجزيئي وإيجاد طرق صالحة لقياسها، وعلى الرغم من التقدُّم الكبير في أبحاث الشيخوخة على مدى العقود الأخيرة، لا يزال أمام العلماء وقتٌ طويلٌ لفهم تلك العملية بصورةٍ شاملة.

ومع ذلك، فقد تم الوصول إلى بعض النتائج خلال السنوات الماضية، أسهمت تلك النتائج في زيادة فهم الكيفية التي تُسهِم بها التغيرات فوق الجينية في صحة خلايانا.

التغيرات فوق الجينية

تُعرف التغيرات فوق الجينية بـ”التعديلات الكيميائية التي تُجرى على الحمض النووي للتحكم في نشاط جين معين، وتؤثر تغييرات الحمض النووي، مثل الطفرات، على البروتين الذي يتم إنتاجه من تسلسل الحمض النووي، وهي عمليةٌ من شأنها أن ترصد مقدار تلف الحمض النووي والخلل الوظيفي في الميتوكوندريا”.

من حيث المبدأ، يمكن أن يساعدنا فهم الأسس الجزيئية للشيخوخة البيولوجية على التلاعب بها، إما عن طريق إجراء تغييرات واعية في نمط الحياة أو بالوسائل الدوائية، وإطالة عمر الإنسان والوقاية من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، وهذا هو الهدف النهائي “لأبحاث طول العمر”، في الآونة الأخيرة، تم التعرُّف على الشيخوخة كمرضٍ في حدِّ ذاته، وليس عرضًا على الحياة، وهو تحوُّل نموذجي يجعل هذا المجال من البحث أكثر إثارةً للاهتمام.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة “نيكولاس ستروستروب” في تصريحات لـ”للعلم”: “إن المقاييس الصحيحة والدقيقة للعمر البيولوجي -مثل المؤشرات الحيوية- غير متوافرة، وبالتالي فالقضية الأساسية هنا هي الطبيعة العشوائية للشيخوخة”.

يضيف “ستروستروب”: تميل العديد من النتائج السيئة للشيخوخة إلى الظهور معًا، فمع تقدمنا ​​في العمر نميل إلى التحوُّل إلى “اللون الرمادي”، وتصيبنا التجاعيد وترهل العضلات، ونصبح عرضةً للإصابة بالأمراض، لكننا نعلم أنه يمكن فصل النتائج المختلفة للشيخوخة؛ فبعض الناس لا يتحولون إلى اللون الرمادي أبدًا، وبعض الناس يصابون بالتجاعيد في وقت أبكر بكثير من الآخرين، وبعض الناس يعيشون حتى أعمار كبيرة ونادرًا ما يمرضون، وتُظهر دراستنا إحدى الطرق التي يمكن أن تحدث بها النتائج المختلفة معًا في كثيرٍ من الأحيان ولكن في الوقت نفسه يمكن فصلها؛ إذ نوضح كيف يمكن للتدخل -مثل تغيير في النظام الغذائي أو دواء أو جين موروث من الوالدين- أن يحمي من بعض نتائج الشيخوخة دون غيرها”.

يقول “ستروستروب”: على الرغم من أن لكل فرد عمرًا زمنيًّا واحدًا، إلا أننا إذا ما قمنا بفحص مئة شخص لديهم أعمار كرونولوجية متطابقة -لنفترض أن 100 شخص جميعهم يبلغون الستين عامًا بالضبط- فسنرى على الفور أنه ليس كل شخص بمستوى الصحة البدنية نفسه؛ فهناك العديد من الطرق المختلفة لقياس العمر البيولوجي للشخص وحسابه، وربما تكون تعديلات الحمض النووي والعلامات البيوكيميائية في الدم هي الأبرز، لكن ما تشترك فيه جميع المؤشرات الحيوية للشيخوخة هو أنها تحاول إخبارنا ما إذا كان الشخص أصغر جسديًّا أو أكبر جسديًّا من الشخص العادي في عمره الزمني.

تحدٍّ لوجيستي

لكن اكتشاف المؤشرات الحيوية والتحقق منها يتطلب دراسة البشر طوال حياتهم، وهو تحدٍّ لوجستي كبير، وبالتالي يعتمد البحث في هذا المجال اعتمادًا كبيرًا على النماذج المعملية، مثل الديدان الخيطية التي تعيش لمدة أسبوعين تقريبًا.

والديدان الخيطية مخلوقات نشطة وفضولية، تستكشف بيئتها منذ سنٍّ مبكرة، تمامًا كالإنسان، وبمرور الوقت تتباطأ حركتها وتتوقف في النهاية عن الزحف، تفقد تدريجيًّا قوة العضلات ووظائفها، مما يؤدي إلى قضاء جزء كبير من حياتها بلا حراك، تمامًا مثل الإنسان أيضًا، وفي الديدان، نسمي الانتقال من حركة الشباب القوية إلى الشيخوخة “توقف الحركة القوي”.

في الأبحاث المختبرية، غالبًا ما يُستخدم توقُّف الحركة القوي كمؤشر حيوي للشيخوخة ومؤشر على صحة تلك الديدان، يصف بعض العلماء الوقت بين الولادة وعملية توقف الحركة القوي بأنه “فترة صحية” مقارنةً بـ”العمر الافتراضي”.

ومن المثير للاهتمام أن التدخلات المصممة لإطالة العمر الافتراضي تؤثر تأثيرًا غير متناسب على تلك العملية، فإذا قام العلماء بتحوير جين يمنح الديدان حياةً أطول، فلن يمنحها بالضرورة قدرًا متناسبًا من نشاط الشباب.

يقول “ستروستروب” إن هذا أمرٌ مقلقٌ بالنسبة للعمل السريري البشري؛ لأن نشاط الشباب هو المنتج الكبير الذي يرغب الناس في تقديمه، وبالتالي، فإن استخدام عملية توقُّف الحركة القوي كنتيجة قابلة للقياس عند اختبار تدخُّلات مكافحة الشيخوخة للبشر قد لا يُنتج بحثًا صالحًا يمكن ترجمته.

في الدراسة الجديدة قدم الباحثون أداةً تعمل على أتمتة فحوص مدى الحياة، بعد أن فحصوا آلافًا من الديدان وقاموا بتصويرها مرةً واحدةً كل ساعة في الفترة ما بين حياتها وموتها.

يقول الباحثون: إن الديدان لديها عمليتان مستقلتان جزئيًّا للشيخوخة، موضحين أنه “تم تصميم تلك الأداة -التي أطلقوا عليها آلة العمر الافتراضي- لقياس توقيت نتيجة واحدة فقط للشيخوخة وهي الموت”.

كشف العلماء عن عمليتين مستقلتين للشيخوخة في ذلك النوع من الديدان، واحدة مسؤولة عن تحديد توقف الحركة القوي، والأخرى تحدد وقت الوفاة، وبينت العلاقة الإحصائية بين توقيت تلك العمليتين نتائج غير متسقة حين تم جمعهما معًا، “لذلك نستنتج أنه يجب أن تكون هناك عمليتان على الأقل تُحددان الوفاة وليس عملية واحدة”، كما يقول “ستروستروب”.

تقييد السعرات الحرارية

يقول الباحث بقسم الجينات بجامعة ستانفورد “جارود روتليدج”، لم يشارك في الدراسة: إن تلك الورقة تكشف أيضًا أمرًا مُذهلًا في الديدان الخيطية؛ “فقد تغيرت العلاقة بين توقف الحركة القوي والعمر من الناحية الكمية كلما جاعت الديدان، فكلما زاد الجوع ظلت الديدان الخيطية نشطةً مدةً أطول، وقَل الوقت بين توقُّف الحركة القوي والموت، “هذا يعني أن الديدان تظل نشطةً لفترات أطول كلما اتبعت نظامًا لتقييد السعرات الحرارية”.

ويرى “روتليدج” أن متوسط الأعمار في العالم زاد بسرعة، “لكن فترة الحياة الخالية من المرض لم تزد بالدرجة نفسها”، لذا فإن اكتشاف علاقة بين تقييد السعرات الحرارية والعيش بصورة أكثر نشاطًا “يضيف مزيدًا من الأدلة على الطريقة التي يُمكن أن يسهم بها النظام الغذائي في العيش أكثر نشاطًا لمدة أطول”.

وجد فريق البحث أيضًا أن الديدان لديها على الأقل عمليتان مستقلتان للشيخوخة تحدثان في الوقت نفسه، واحدة تحدد توقف الحركة القوي والأخرى تحدد وقت الوفاة، بينما تتبع كلتا العمليتين مسارات مختلفة، فإن معدلاتهما مرتبطٌ بعضها ببعض، بمعنى آخر، كشفت الدراسة أن كل دودة فردية لها على الأقل عمران بيولوجيان متمايزان.

وقد توصل الباحثون إلى هذا الاكتشاف من خلال بناء أداة وراثية تتيح لهم التحكم في معدل تقدم الديدان في العمر، اختيارًا فعالًا لمتوسط ​​عمر الديدان الذي يمكن أن يتراوح بين أسبوعين وبضعة أيام.

وعلى الرغم من أن البشر أكثر تعقيدًا من الديدان من نواحٍ عديدة، فإنه من المحتمل أن يكون لديهم عدد من الأعمار البيولوجية المميزة أكبر مما لدى الديدان الخيطية.

إجمالًا، توضح الدراسة كيف يمكن لعمليات الشيخوخة المتعددة والمستقلة في الغالب أن تعمل جنبًا إلى جنب لتسبب شيخوخة أجزاء مختلفة من الحيوان بمعدلات مختلفة، وتتحدى النتائج مفهوم أن الحيوانات لديها مقياسٌ واحد موحد للعمر البيولوجي يمكن أن يكون مؤشرًا على الصحة العامة للفرد.

وجد الباحثون أيضًا أنه بغض النظر عن الطفرات والتدخلات التي تغير مدى الحياة التي قدموها للديدان الخيطية، فإن الارتباط الإحصائي بين الأعمار البيولوجية المتمايزة ظل ثابتًا، ويشير هذا إلى وجود سلسلة أوامر غير مرئية تنظم عمليات شيخوخة الدودة، ولم يتم اكتشاف آليات سلسلة الأوامر بعد.

تدعو الدراسة إلى التساؤل حول الافتراض الأساسي للعلامات الحيوية للشيخوخة، وهو أنه عندما تقوم التدخلات مثل التمارين أو النظام الغذائي “بتجديد” علامة حيوية، فإنها علامة جيدة على أن البيولوجيا الأساسية للشيخوخة قد تغيرت بالمثل.

اختلاف الأجناس

لكن بما أن الديدان -وربما البشر أيضًا- لديهم أعمار بيولوجية مختلفة، فهل يُمكن أن يختلف العمر البيولوجي بين الأجناس؟

يقول “ستروستروب”: النساء يملن إلى العيش مدةً أطول قليلًا من الرجال، وبمعنى آخر يجب أن تكون المرأة النموذجية أصغر قليلًا من الرجل في العمر نفسه، فهي في المتوسط ​​تعيش مدةً أطول، ومع ذلك قد يكون من المنطقي معايرة تقديراتنا للعمر البيولوجي بشكل منفصل للرجال والنساء، حتى نتمكن من إجراء حسابات أكثر دقةً مع مراعاة الفروق البيولوجية الفريدة بين الجنسين.

استغرقت تلك الدراسة 5 سنوات كاملة، تم خلالها تصوير الديدان الخيطية من لحظة الولادة وحتى الوفاة، وعلى الرغم من ذلك لا تزال عملية الشيخوخة مبهمة، الشيخوخة معقدة لأن أجسامنا معقدة، ويوجد حاليًّا الكثير من التقدُّم المثير في مجال الشيخوخة، من ضمنها محاولات إيصال هذا التقدُّم إلى الجمهور، والذي ينطوي بالضرورة على بعض التبسيط.

يقول “ستروستروب”: “إن العلم يجب أن يكون في متناول غير الخبراء، ومع ذلك هناك ضغط كبير للمبالغة في التبسيط؛ فغالبًا ما يكون الاستدلال القائم على الحجج المبسطة مضللًا؛ فكل التحذيرات الصغيرة والتفاصيل المربكة التي تُزال لتوصيل العلم غالبًا ما تكون ضروريةً لفهم الآثار الحقيقية لذلك العلم، وبالتالي ففي الوقت الحالي، بناءً على كيفية إيصال الأبحاث إلى الجمهور، أعتقد أنه من السهل التقليل إلى حدٍّ كبير من أهمية التحديات التي نواجهها في تطوير علاجاتٍ عملية للشيخوخة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى