مقالات

الموهوبون ذوو الإعاقة البصرية

الدكتور عدنان محمد القاضي – مملكة البحرين

قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:

إن  يأخذِ  اللهُ من عينيَ نورهما  * * *  ففي  فؤادي  وقلبي  منهما نورُ

قلبي ذكي وعقلي غير ذي عوجٍ * * *  وفي فمي صارم ٌ كالسيفِ  مشهورُ

لا يقتصر وجود المواهب على الأفراد الأسوياء الذين يتمتعون بخصائص وسمات نمائية طبيعية فحسب، لا بل قد توجد كذلك لدى الأفراد الذين يُعانون من بعض الإعاقات كالإعاقات الجسمية والحركية والإعاقات الحسية والسمعية والبصرية. فالأمثلة والشواهد التاريخية تشير إلى وجود الكثير من العلماء والمشاهير الذين أبدعوا في معظم مجالات الحياة كانوا ممن عانوا من بعض الإعاقات.

تعريف الموهوب ذي الإعاقة البصرية

تناول عدد غير قليل تعريف هذه الفئة من الموهوبين ذوي الخصوصية المزدوجة، ومنها:

عرَّف عادل عبدالله (2005) الموهوب ذي الإعاقة البصرية بأنَّه “منتميّز عن أقرانه في القدرات العقلية والإبداعية، ولديه إمكانية القيام بمهارات فائقة في أحد المجالات التي يقدرها المجتمع؛ وفي الوقت الذي لديه قصور في البصر يجعله يحتاج في حياته وتعاملاته إلى وسائل معينة وترتيبات لا تتطلب حاسة البصر”.

كما عرَّف سليمان إبراهيم (2014) الموهوب ذي الإعاقة البصرية بأنَّه “من حُرِم حاسّة الإبصار منذ ولادته، أو الذي من تكون لديه بقايا بصرية تفيد في مهارات التوجيه أو الحركة وليس لديه إعاقات أخرى، ويُظهر أداءً متميِّزاً في مجال أو أكثر من المجالات الفنية (الرسم، الموسيقى، التمثيل، الفنون التشكيلية)؛ أو المجالات الأدبية (الشعر، القصة، الإلقاء)؛ أو القيادية؛ أو بعض العلوم الشرعية كقراءة القرآن وفق مقاماته المعروفة.

خصائص الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية

يتميز الموهوبون ذوو الإعاقة البصرية بخصال تختلف عن غيرهم؛ وذلك لاجتماع مالديهم من قدرات عقلية فائقة وقصور في أهم مدخلات الفرد الحسية؛ وهو البصر. ويذكر (Whitmore & Maker,1985) والزيات (2002) بأنهم يتميزون بما يلي:

  1. قدرات وإمكانات فائقة تتيح أمامهم الفرص لتحقيق مستوى مُرتفع منَ الإنجازفي المجالات العقلية والإبداعية والفنية وغيرها.
  2. قدرات غير عادية على القيادة تُمكِّنهم منْ إدارة الأمور والمواقف بشكلٍ ملفتٍ ومُثير للاهتمام.
  3. مستوى أداء مرتفع في مجالات دراسية أو أكاديمية معينة، وهي التي لا تعتمدُ على التناول اليدوي.
  4. معدل تعلُّم سريع.
  5. ذاكرة قوية نشطة وفاعلة بصورة غير عادية.
  6. مهارات اتصال لفظي ومفردات لغوية ضخمة أو غير عادية.
  7. مهارات متميزة أو متقدمة أو قدرة غير عادية على حل المشكلات.
  8. مثابرة عالية أو درجة عالية من المقاومة.
  9. لديهم دافعية عالية للمعرفة.

أساليب الكشف عن الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية

يُمكن استخدام عدد من الأدوات للوقوف على مستوى القدرات والمواهب التي تمتلكها هذه الفئة كما ذكر (Bulla, 2002; Rimm, 2003) مع مراعاة الخصوصية والمستوى المطلوب من الأداء في ضوء العجز المتحقق والمتّصل بكف البصر، ومنها:

  1. الانتاجية الإبداعية.
  2. اختبارات الذكاء اللفظية.
  3. الاختبارات الأدائية.
  4. قوائم السمات السلوكية.
  5. الاختبارات التحصيلية في مواد دراسيّة مُحددة.
  6. ملاحظات التفكير وحلّ المشكلات.
  7. التقارير في مجالات الاهتمام والميول.
  8. المسابقات والفعاليات المدرسية.
  9. المقابلة.

أساليب رعاية الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية

هناك عددًا من الأساليب والإجراءات التي يجبُ مراعاتها عند رعايتهم ذكرها (Sacks, 2003)، ومنها:

  • دور الوالديْن، ويتمثَّل دورهما في التشجيع على:
  • التواصل البصري عبر توجيهه إلى من يتحدث إليه.
  • اكتشاف البيئة من حوله.
  • التفاعل مع إخوته وأقاربه وأقرانه.
  • توفير الفرص المناسبة للعب التخيلي المعتمد على المشاركة.
  • الانضمام إلى جماعة معينة بحسب اهتماماته.
  • الدفع لاستخدام المفردات اللغوية التي يستخدمها الأقران عند اللعب معًا.
  • إتاحة الفرص للتفاعُل مع أقرانه الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية.
  • دور المعلم، ويتمثَّل فيما يلي:
  • تحويل الأنشطة البصرية المتضمنة بالدروس إلى أنشطة سمعية.
  • السماح بتسجيل بعض الدروس والتعليمات التي تعين على أداء الواجبات المنزلية.
  • المساعدة على تعلم طريقة برايل منذ وقت مبكّر من الحياة.
  • مراعاة جوانب القصور والحد من آثارها السلبية من خلال أساليب حديثة سهلة المِران عليها.
  • التعويد على الاستقلالية في مختلف الأشياء من دون الإحاطة بالحماية الزائدة؛ تجنبًا للعجز المُتعلم.
  • العمل على إشباع الحاجات النفسية المختلفة في حالتهم التي تجمع بين العجز والقدرة.
  • تقديم نموذج للقدوة على شاكلتهم ممن لهم إنجازات مملموسة في مجال اهتماماتهم وميولهم.
  • بيئة التعلم، وتتمثَّل فيما يلي:
  • تُضمَّن المناهج الدراسية تعديلات تتناسب وحاجات هذه الفئة التربوية والتعليمية والاجتماعية.
  • زيادة الأنشطة غير البصرية التي تنمي القدرات والمواهب عبر عدد من المواد الدراسية الأساسية.
  • الاهتمام بتنمية مهارات التواصل وخاصة اللفظي، والأساليب التكيفية، وأنشطة الحياة اليومية المعينة على مسايرة الآخرين.
  • اعتماد المناهج الدراسية على الوصف اللفظي والتعلم العرضي عبر وسائل ملائمة لهم.
  • استخدام الوسائل والأساليب التكنولوجية الحديثة؛ للتمكُّن من القراءة بشكلٍ أسرع.
  • تنمية المناهج الدراسية للجوانب الانفعالية والاجتماعية.
  • الإرشاد النفسي، ويتمثَّل فيما يلي:
  • الحاجة إلى إرشاد متمركز حول القدرات والإمكانات؛ للحد من نقص الدافعية للتعلم؛ وتحسين مستوى الأداء المدرسي.
  • العمل على تطوير مفهوم إيجابي للذات؛ للحد من المشكلات التي يُتعرَّض لها، ومساعدته على استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة.
  • تنمية مهارات تحقيق التوقعات؛ فاعلية الذات؛ العجز المُتعلم؛ ضبط النفس؛ التحكُّم أو السيطرة على الظروف المحيطة؛ العزو؛ موضع الضبط؛ وتحديد الأهداف.
  • بناء الشخصية المتَّزنة ذات القيم النبيلة والمواطنة الحقة.
  • استخدام التكنولوجية الحديثة، ويتمثَّل فيما يلي:
  • زيادة فرص التعلم بشكل عام، بالتمكين من تناول كلّ المكوّنات التي تتضمنها بيئة التعلم.
  • تحسين الأداء الأكاديمي.
  • المساعدة في ارتفاع مستوى الدافعية بشكلٍ كبير.
  • المساعدة على اكتساب الاستقلالية والحركة والتواصل والسيطرة على البيئة.
  • المساعدة على اكتشاف جوانب القوة والتعرف عليها وتحديدها.
  • التنويع في استخدام الأجهزة والوسائل التكنولوجية الحديثة

الاعتبارات التربوية والتعليمية المرتبطة بالموهوبين ذوي الإعاقة البصرية

يؤكِّد(Mendaglio, 1995) بأنَّ البرامج التي يتم تقديمها لأولئك الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية ينبغي أنْ تُراعي احتياجاتهم في أربعة جوانب، وهي:

  1. تشخيص الموهبة لديهم بدقة، وبالتالي تصنيفهم على أنَّهم موهوبون، مع توخي الدقة والموضوعية في الكشف عنها باستخدام الأدوات والأساليب المناسبة.
  2. إدخال بعض التغييرات أو التعديلات والتواؤمات على المناهج الدراسية المقدمة لهم من حيث خبراتها وأنشطتها وطرائق تقديمها بما يتناسب وطبيعة الإعاقة البصرية الموجودة لدى هذه الفئة.
  3. مراعاة حاجاتهم النفسية وتقديم الإرشاد لهم؛ للتخلُّص من المشكلات الانفعالية الناتجة عن إعاقتهم (مثال: الإحباط والقلق وتدني مستوى مفهوم الذات والشعور بالنقص والاغتراب والدونية)، كما ينبغي أنْ تعمل هذه الخدمات الارشادية على تحسين صورة الذات لديهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الأداء وتحقيق النجاح.
  4. تهيئة بيئات التعلم والمرافق لتكون ميسرة لحركتهم وتفاعلهم مع غيرهم.
  5. توفير المعلمين المؤهلين للتعامل معهم، وتقديم الخِدمات اللازمة لهم.
  6. ضرورة تدريبهم على استخدام وسائل تعويضية من خلال توظيف الحواس الأخرى لإنجاز المهمات المختلفة بما فيها الأكاديمية.

مشكلات الموهوبين ذوي الإعاقة البصرية

يُمكننا عرض أبرز المشكلات التي قد يُعاني منها الموهوبون ذوو الإعاقة البصرية كما ورد عند (Tuttle, 1994; Davis &Rimm, 2003)على النحو الآتي:

  1. التذبذب في معدلات المظاهر الشخصية لديهم، على نحو مخالف لسير نموها الطبيعي كما هو عند أقرانهم الأسوياء.
  2. تحقيق النزعة إلى تحقيق الكمالية، ولا سيّما عندما يعجزون في تحقيق النجاح، أو عندما يعجزون عن الأداء بسبب إعاقتهم البصرية.
  3. المعاناة من بعض الضغوط الناشئة منْ توقعات الآخرين أثناء عمليات التفاعل معهم.
  4. الحساسية الزائدة (أو المفرطة)، وكذلك الشعور بالنَّقص.
  5. يقل معدل سرعة القراءة لديهم، والمعاناة من بعض أخطاء القراءة الجهرية، والانخفاض النسبي في مستوى التحصيل، والافتقار كذلك إلى المهارات الكِتابية مقارنة بأقرانهم الأسوياء.
  6. صعوبة أداء بعض المهارات الحركية العامة منها والدقيقة، والمعاناة من من مشكلة عدم التآزر الحسي الحركي.
  7. الشعور بالاغتراب وصراع القدوة (أو النموذج).
  8. ضعف الثقة بالنفس والإمكانات المتوفرة لديهم.

وعلى ذلك ترى(Com Anne, 1987) بأنَّ عمليات التنشئة الاجتماعية الخاصة بهذه الفئة من الموهوبين يجبُ أنْ تتركَّز على ثلاثة عناصر أساسية، وهي: الهوية؛ العلاقات الاجتماعية؛ والأنشطة الحياتية.

ويرى(Tuttle, 1994) بأنَّه نظراً للاستثناء المزدوج لهذه الفئة تتباينُ حاجاتهم النفسية، ومنْ ثمَّ يجبُ أنْ تُتاح لهم الفُرص كي يتمكنوا منْ تحقيق أعلى منَ النمو في العديد منَ الجوانب، ويأتي في مقدمة ذلك حاجتهم إلى تطوير المفهوم الإيجابي للذات، وتطوير مهاراتهم الاجتماعية، وتحقيق التوازن بين اللعب والعمل، أو الاستذكار وأداء الواجبات المنزلية.

أمثلة على مبدعين ومخترعين ذوي إعاقة بصرية

هناك عددٌ من الموهوبين الكِبار الذين أثروا الحياة وأضافوا لها ما غيّر مسارها، ومنهم:

  • لويس برايل: كفيف، وهو الذي اخترع طريقة برايل للمكفوفين.
  • هيلين كيلر: المرأة المعجزة التي كانت تحمل ثلاث إعاقات (الصم، كف البصر، الخرس)، ومع ذلك أصبح لها شأن في الأدب وكتابة القصة.
  • بشار بن برد: كفيف، قال عنه الجاحظ: “المطبوعون على الشعر هم: بشّار، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، ولكن بشّار أطبعهم”.
  • أبو العلاء المعري: كفيف، درس فلسفة اليونان، ونال من العلم والثقافات المختلفة، وقرض الشِّعر وسُمِّيَ رهين المحبسيْن.
  • طه حسين: كفيف، أديب وله من الكتب التي تناولت الثقافة والأدب.
  • هوميرس: شاعر إغريقي.
  • جو ملتون: شاعر أمريكي.
  • ماركوني: مبتكر في مجال الاتصالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى