منوعات

“الإنفلونزا العظمى”.. كتاب جديد يرصد أكبر الجوائح فتكاً عبر التاريخ

صدرت حديثاً عن “منشورات ذات السلاسل” بالكويت، الترجمة العربية لكتاب ( الإنفلونزا العظم THE GREAT INFLUENZA )، وهي حكاية المواجهة الملحمية لأكثر الأوبئة فتكاً على مرّ التاريخ يرصدها الكاتب والمؤرخ الأمريكي المعاصر جون إم. باري . فكرة الكتاب تأتي لتؤكد إن التاريخ يعيد نفسه، حرفياً لا مجازياً. فبينما كان العالم يعاني من آثار الحرب العالمية الأولى عام 1918 كانت حربٌ فيروسية غير مرئية تفتك بالملايين لأن سلاحها لا يُرى.

عندما يتمادى الإنسان في غيّه فيغلب صوت السياسيين وتجار المال والسلاح، أصوات العلماء والمختصين، تنتفض الطبيعة ويأتي ردها مُزلزلاً. قتلت الحرب العالمية 40 مليوناً، وقتلت الفيروسات ضعف هذا العدد. وقتلت حروب أمريكا في فيتنام وأفغانستان والعراق عشرات الآلاف في 50 عاماً، وها هو فيروس “كوفيد 19” يقتل 100 ألف أمريكي في 50 يوماً.

الدروس المستفادة

كما وقعت الجائحتان في نهاية العقد الثاني من كل قرن، وأثناء حكم الجمهوريين لأمريكا، وكان للفساد السياسي وغياب القيادة والصراعات الاقتصادية الدور الأول في استفحال الجائحة وارتفاع أعداد الضحايا. فما هي قصة جائحة “الإنفلونزا العظمى”؟ وكيف أربكت العالم وهزته حينذاك؟ ولماذا يكرر “دونالد ترامب” نفس أخطاء سلفه “وودرو ويلسون” الرئيس الأمريكي آنذاك، الذي قاد الحرب العالمية الأولى، ونسي ورفض محاربة الإنفلونزا، حتى أصابه الفيروس وكاد يقتله؟ يعرض كتاب “الإنفلونزا العظمى” عشرات الدروس المستقاة من جائحة “الإنفلونزا الإسبانية” – كما سميت لاحقاً – ومنها:

•علينا أن ننظر إلى الخلف، لنستطيع التقدم إلى الأمام.

•أساس الفضيلة هو التخلص من الكذب، وللأبد. •يحدث التقدم الإنساني بالسيطرة على الطبيعة، لا بالتكيُّف معها.

•السؤال “لماذا”: أعمق من العلم. لأنه يحفل بالغاية لا بالطريقة. بقراءة وسماع الملخص الصوتي لكتاب “الإنفلونزا العظمى”، ستعرف الحقيقة.

طفت الإنفلونزا الإسبانية على السطح مجدداً في خضم مواجهة العالم لجائحة كورونا، في مقاربة علمية بين أعراض الجائحتين، وكيفية التوصل للقاح وطرق العلاج والوقاية، بخاصة أن ثمة تشابهاً في أعراض الإصابة، يتمثل في مهاجمة الفيروس للرئتين والجهاز المناعي للجسم، محاولاً اختراقه وكسر توازنه وإحداث خلل به يؤدي إلى الوفاة.


الكاتب والمؤرخ الأمريكي «جون إم باري» يكشف أبعاد هذا التشابه في كتابه الموسوعي «الإنفلونزا العظمى» وتداعيات الجائحة المعروفة باسم «الإنفلونزا الإسبانية»، التي تعد الجائحة الأكثر فتكاً في العالم (1918 – 1919)، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولي؛ حيث ظهرت أولاً في أميركا، بأحد معسكرات الجيش في ولاية تكساس، ثم سرعان ما انتشرت في بلدان كثيرة، وحصدت كما يقول بيل غيتس في كلمة له على ظهر غلاف الكتاب «ما يناهز 100 مليون إنسان على وجه الأرض في 24 أسبوعاً».

يعد باري (1947) أحد المتخصصين في الكتابة عن الكوارث. ومن أهم كتبه الصادرة في هذا السياق؛ «الطموح والقوة… قصة حقيقية عن واشنطن»، و«المدّ المتصاعد… فيضان المسيسبي العظيم عام 1927 وكيف غيّر أميركا»، و«روجر ويليامز وخلق الروح الأمريكية… الكنيسة، والدولة، وميلاد الحرية»، و«ألعاب القوة… السياسة، وكرة القدم، ورياضات دموية أخرى».

قصة عن العلم

وحول قصة الكتاب، يقول في مقدمته: «ليست قصة فيروس إنفلونزا عام 1918 مجرد قصة عن الخراب والموت والهلاك الذي حلّ بمجتمع يخوض حرباً ضد الطبيعة، تواكبت مع حرب ضد مجتمع بشري آخر. إنما هي أيضاً قصة عن العلم، عن كيف يفكر المرء، وكيف يغير طريقة تفكيره، عن كيف استطاع بضعة رجال في خضم فوضى عارمة التماس التأمل الهادئ ورباطة الجأش، لا من أجل التفلسف، وإنما من أجل اتخاذ خطوات باتّة جازمة، لمواجهة أول صدام حديث بين العلم والطبيعة».


وفي فصول الكتاب، يكشف المؤلف خبايا تلك الجائحة، وما اكتنف مواجهتها من غموض وأسرار، لافتاً إلى أن صراعات الحقيقة تجلت في تعامل البلدان، خاصة الأوروبية، مع الوباء بصورة غير واقعية، مؤكداً أن تفاصيل «الإنفلونزا العظمى» (1918 – 1919) لا تقل أهمية عن التفاصيل السرية التي أحاطت بها. وبحسب ما يروي، فإنه في خضم الحرب العالمية الأولى، هجم نوع جديد من الإنفلونزا على القوات المتحاربة في أوروبا، على جوانب خطوط إطلاق النار. لكن السياسيين قرروا، بضغوط من العسكريين، عدم إعلان الخبر حتى لا تتأثر معنويات الجنود.


هكذا، أبقت بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، ودول أوروبية أخرى الموضوع سراً. وذلك لأن إعلان أي جانب للخبر كان سيعتبر انتصاراً للجانب الآخر.

في الوقت نفسه، كانت إسبانيا محايدة في الحرب. وعندما وصل المرض إليها لم تتردد الصحف في إعلان الخبر، وسارعت الحكومة، وأمرت، ليس فقط بوضع احتياطيات، ولكن أيضاً، بزيادة نشر الخبر للمساعدة في الوقاية من المرض. حتى إصابة ملك إسبانيا بالمرض نشرتها صحف إسبانيا في صدر صفحاتها الأولى. هكذا، صار المرض «إسبانياً»، ومن هنا تمت تسميته وتعريفه باسم « الإنفلونزا الإسبانية». وكان السبب هو أن الإسبان قالوا الحقيقة. يشار إلى أن دار نشر «بنغوين» في نيويورك قامت بإعادة إصدار هذا الكتاب، ليكون متوفراً لدي القراء في طبعة رقمية، وكان الكتاب الورقي صدر أول مرة عام 2005. وبسبب وباء «كورونا»، زاد إقبال الأميركيين على قراءته وغيره من الكتب.
كم اشتهر مؤلفه جون باري، واختارته إدارة جورج دبليو بوش، وباراك أوباما للمشاركة في استراتيجيات مكافحة الأوبئة في الولايات المتحدة.
أما المترجم إيهاب عبد الحميد، فهو كاتب ومترجم مصري من مواليد 1977.

له عدد كبير من الترجمات، من بينها «قصة الجنس البشري عبر التاريخ» لري تاناهيل، «نظام الزمن» لكارلو روفيللي»، «صيحة القطعة 49» لتوماس بينشون، «جنلمان في موسكو» لأمور تاولز.

الكتاب قام بترجمته إلى العربية الكاتب والمترجم المصري إيهاب عبد الحميد، وصدر عن دار “ذات السلاسل” بالكويت في 608 صفحات من القطع الكبير، ويضم 10 فصول وخاتمة، وهو مزود بصور وملزمة ضافية من المراجع، ورغم ضخامته إلى أنه يتميز بأسلوب سلس وشيق، يتخذ من سردية الأمراض والكوارث مفاتيح لقصص إنسانية، تقترب كثيراً من نسق القصة والرواية والحبكة البوليسية.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى