صيدلية الشفاء

بريطانيا توافق على استخدام حبوب مضادة لفيروس كورونا من إنتاج شركتي “ميرك وريدجباك”

وسط تواصل ارتفاع مرضى ووفيات كورونا حول العالم, أصبحت الدول تسابق الزمن للحصول على لقاحات للوقاية من الفيروس القاتل, وباتت بريطانيا أول دولة في العالم تمنح الموافقة على استخدام حبوب مضادة لفيروس كورونا من إنتاج شركتي “ميرك وريدجباك” للعلاج الحيوي، في دفعة لمعركة التصدي للجائحة قد تغير من قواعد اللعبة.

وأوصت وكالة الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية باستخدام عقار “مولنوبيرافير” في أسرع وقت ممكن بعد ثبوت الإصابة بفيروس كورونا وفي غضون خمسة أيام من ظهور الأعراض.  

وتعتبر هذه الحبوب أول علاج فموي مضاد لفيروسات كورونا يحصل على موافقة ومن المنتظر أن يحظى قريبا بموافقة الجهات التنظيمية الأمريكية. وسيجتمع مستشارون أمريكيون هذا الشهر للتصويت على استخدام العقار الجديد.

 وحظي العقار، الذي سيحمل الاسم التجاري “لاجيفريو” في بريطانيا، بمتابعة واسعة منذ أن أظهرت بيانات الشهر الماضي أنه يمكنه أن يخفض بمقدار النصف احتمالات الوفاة أو دخول المستشفى للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأعراض خطيرة لـ”كوفيد-19″ عند تناوله في وقت مبكر من المرض.

وفي بيان منفصل، قالت شركة “ميرك”، ومقرها الولايات المتحدة، إنها تتوقع إنتاج عشرة ملايين جرعة علاجية من العقار بنهاية هذا العام و20 مليونا على الأقل في عام 2022.

إلى ذلك، بلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا عبر العالم 249 مليونا و11 ألفا و565 حالة مؤكدة حسب موقع “ورلدميتر”، المتخصص في إحصائيات الفيروس، مقابل تسجيل 5 ملايين و40 ألفا و774 حالة وفاة ناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا.

وما تزال أمريكا تتصدر دول العالم قياساً بأعلى حصيلة إصابات ووفيات.

وحتى فجر الخميس 4/ نوفمبر 2021، تجاوز عدد مصابي كورونا حول العالم، 248 مليونًا و739 ألفا، توفي منهم أكثر من 5 ملايين و36 ألفًا، وتعافى ما يزيد على 225 مليونًا و381 ألفًا، وفق موقع “ورلدوميتر”.

لماذا تفوق «مولنوبيرافير» على الأدوية الأخرى

ولم تخضع هذه النتائج التي أعلنتها الشركة حول فعّالية هذا العقار الواعد المعروف باسم «مولنوبيرافير» Molnupiravir لمراجعة الأقران بعد، لكن إذا اعتمدت الجهات التنظيمية العقار للاستخدام، فسيكون أول مضاد فيروسات يُعطى عن طريق الفم لعلاج «كوفيد-19»، خلافًا للعقاقير الأخرى المصرح باستخدامها حاليًا لهذا الغرض والتي يجب إعطاؤها عن طريق الوريد أو الحقن.

ويمكن للعقاقير التي تُعطى في هيئة أقراص أن تجعل علاج المرضى في وقت مبكر من إصابتهم بالعدوى أسهل كثيرًا وأكثر فعّالية. كما يمكن أن تحول دون اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، لا سيما في البقاع التي لا تزال معدلات التطعيم فيها منخفضة، كما هو الحال في العديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وقد أظهر عقار «مولنوبيرافير» فعّالية كبيرة في المرحلة الثالثة من تجربة أُجريت على أشخاص مصابين بمرض «كوفيد-19» وعرضة للإصابة بصورة شديدة منه، ما دفع الأطباء إلى إيقاف تسجيل الالتحاق بالتجربة مبكرًا.

لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت قصة نجاح هذه التجربة الإكلينيكية ستقلب الموازين في المعركة ضد الجائحة، أم لا. فحتى إذا كانت البلدان منخفضة الدخل قادرة على تحمل تكاليف العقار، فقد لا تمتلك الوسائل التشخيصية اللازمة لعلاج المرضى به في وقت مبكر من إصابتهم بالمرض، في نقطة زمنية يمكن للعلاج أن يحدِث عندها تأثيرًا.

ضربة في مقتل للمرض في مراحله المبكرة

العلاجات الأخرى المتاحة ضد «كوفيد-19» – مثل عقار «ريمديسيفير» Remdesivir المضاد للفيروسات الذي تنتجه شركة «جيلياد ساينسز» Gilead Sciences، ومزيج الأجسام المضادة أحادية النسيلة الذي تنتجه شركة التقنية الحيوية «ريجينيرون» Regeneron – يجب إعطاؤها عن طريق الوريد أو بالحقن. وهذا يصعِّب وصول المصابين بالمرض إلى تلك العلاجات قبل أن يمرضوا بدرجة شديدة تستدعي دخولهم المستشفيات. من هنا، لم يُعتمد استخدام عقار «ريمديسفير» لعلاج «كوفيد-19» إلا في حال الأشخاص الذين احتاجوا لدخول المستشفيات.

حول ذلك، يقول ريتشارد بليمبر، عالم الفيروسات من جامعة ولاية جورجيا في أتلانتا: إنه برغم ذلك، فمن الأفضل “توجيه ضربة مبكرة في مقتل للمرض” باستخدام الأدوية المضادة للفيروسات. فكلما زادت حدة إصابة المريض، قلت فعالية الأدوية في علاج مرضه. وإعطاء علاج لـ«كوفيد-19» في هيئة أقراص، وهو ما لا يتطلب أكثر من وصفة طبية وزيارة للصيدلية بمجرد ظهور الأعراض، من شأنه أن يجعل العلاج المبكر أسهل كثيرًا.

وجدير بالذكر، أن «كوفيد-19» ليس أول مرض ينجم عن أحد فيروسات كورونا ويصيب على نحو خطير البشر. على سبيل المثال، هناك وباء «المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة» («سارس» SARS)، الذي ظهر في الفترة بين عامي 2002 و2004، لكنه اختفى سريعًا، ووباء «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية» («ميرس» MERS) الذي ظهر في عام 2012 لكن لم ينتشر قط على نطاق واسع؛ وهو ما أضعف حافز شركات صناعة الأدوية في تطوير أدوية مضادة للفيروسات لمكافحة هذين المرضين.

من هنا، عندما ظهرت أولى حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» في أواخر عام 2019، “لم تتوفر طائفة من الأدوية المضادة للفيروسات لعلاج المرض”، حسبما يقول ساي كو، طبيب الأمراض المعدية من جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة، الذي قاد تجربة إكلينيكية لعقار «مولنوبيرافير».

وقد ركزت أولى المساعي الرامية لإيجاد علاجات للمرض على الأدوية التي كانت الجهات التنظيمية قد اعتمدتها بالفعل، وهو ما أسفر عن تفوُق لعقار واحد فقط، ألا وهو عقار «ديكساميثازون»، وهو عقار ستيرويدي يعمل على كبح الاستجابات الالتهابية المفرطة لدى المصابين بحالات شديدة من المرض. ولم تصرح إدارة الغذاء والدواء باستخدام العقار لهذا الغرض، لكنه يستخدم على نطاق واسع لهذه الغاية.

وفي ضوء محاولات الباحثين الحثيثة لاختبار فعّالية الأدوية المعتمدة بالفعل، كانت الشركات الصيدلانية وشركات التقنيات الحيوية تنقِّب ترسانتها من الأدوية بحثًا عن أي مركبات يُعرف عنها أنها ذات تأثير مضاد للفيروسات، قادر على مقاومة فيروس كورونا «سارس-كوف-2». ولم تكن هذه الأدوية المضادة للفيروسات واسعة المفعول قد صُمِمَت خصوصًا لاستهداف فيروس كورونا «سارس-كوف-2»، لكن بدا أنها قادرة من الناحية الميكانيكية على ذلك. فعلى عكس الحال فيما يخص العديد من الأدوية التي اختُبرت فعاليتها في مواجهة المرض في وقت مبكر من الجائحة، “ثمة منطق علمي يستند إليه استخدام هذه الأدوية. فنحن نفهم آلية عملها”، على حد قول جاي لولي، الرئيس التنفيذي لشركة الأدوية «إينانتا فارماسيوتيكالز» Enanta Pharmaceuticals، وهي شركة في ووترتاون بولاية ماساتشوستس الأمريكية، تعمل على تطوير مضاد لفيروس «كوفيد-19».

وحتى الآن، يُعد عقار «ريمديسفير» الذي طورته شركة «جيلياد» العقار الوحيد الذي اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج «كوفيد-19». وهو يتسم بفعالية متواضعة عند استخدامه في المستشفيات. ففي تجربة من المرحلة الثالثة، وجد الباحثون أنه يختصر المدة المطلوبة للشفاء من المرض بمقدار خمسة أيام في المتوسط. وتأمل شركة «ميرك» أن يصبح «مولنوبيرافير» العقار التالي الذي يُعتمد لاستخدامه في علاج المرض.

سعيُ محموم

وُلد عقار «مولنوبيرافير» كعلاج محتمل لفيروس التهاب دماغ الحصان الفنزويلي في شركة «درايف» DRIVE غير الربحية (واسمها هو اختصار لاسم «مبادرة ابتكار العقاقير في إيموري» Drug Innovation Ventures at Emory) التي انبثقت من جامعة إيموري في أتلانتا. لكن في عام 2015، عرض الرئيس التنفيذي لـ«درايف»، جورج بينتر، العقار على أحد الباحثين الذين يجمعهم تعاوُن بحثي مع الشركة، وهو عالم الفيروسات مارك دِنيسون من جامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية، لاختبار فعّالية العقار ضد فيروسات كورونا. ويذكر دِنيسون هذه التجربة قائلًا: “أذهلني العقار كثيرًا”. فقد وجد أنه يتسم بالفعّالية ضد العديد من فيروسات كورونا، ومن بينها فيروس «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية»، وفيروس التهاب الكبد المنقول من الفئران2.

واستعان بينتر كذلك ببليمبر الذي جمعه تعاوُن بحثي معه لاختبار فعّالية العقار ضد الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي. لكن بعد أن اندلعت الجائحة، تغيرت الخطط البحثية في هذا الإطار. إذ منحت شركة «درايف» ترخيص إنتاج العقار لشركة «ريدجباك بايوثيرابيوتيكس» Rigeback Biotherapeutics، التي يقع مقرها في ميامي، في ولاية فلوريدا الأمريكية. واتجه بليمبر بدوره إلى التركيز على فيروسات كورونا، واختبر العقار على حيوانات ابن مقرض. ويقول في ذلك الصدد إن المركب أدى إلى تثبيط قدرة الفيروس على التنسخ، لكنه أوقف أيضًا انتقاله من حيوانات ابن مقرض المصابة به إلى تلك غير المصابة3. وتشير بيانات شركة «ميرك» إلى أن هذا قد ينطبق أيضًا على البشر؛ إذ بدا أن «مولنوبيرافير» يختصر مدة العدوى بفيروس «سارس-كوف-2» لدى المشاركين المصابين به في التجارب.

وعقار «مولنوبيرافير» – شأنه شأن «ريمديسفير» – هو من النظائر النيوكليوسيدية. وهو ما يعني أنه يحاكي تكوين بعض اللبنات الأساسية للحمض النووي الريبي في الفيروس. لكن كلا العقارين يختلفان تمامًا في آلية عملهما. فعند نفاذ فيروس «سارس-كوف-2» إلى الخلية، يحتاج إلى نسخ جينوم حمضه النووي الريبي لتكوين فيروسات جديدة. ويعمل عقار «ريمديسفير» في هذا السياق «كأداة تدمير للسلاسل الجينية»؛ فهو يمنع الإنزيم الذي يصنِّع “سلاسل” الحمض النووي الريبي هذه من إضافة روابط أخرى من التسلسلات الجينية. من ناحية أخرى، فإن عقار «مولنوبيرافير» ينفذ إلى خيوط الحمض النووي الريبي النامية، وبمجرد دخوله لها، يحدِث الفوضى فيها. ويمكن للعقار أن يغير تركيبه، ليحاكي أحيانًا نيوكليوسيد الـ«سيتيدين» ونيوكليوسيد الـ«يوريدين» في أحيان أخرى، لتصبح خيوط الحمض النووي الريبي هذه نسخًا معيبة في الجيل التالي من جينوم الفيروس. ويقول بليمبر إنه في أي مكان يدخل إليه المركب ويُحدث ذلك التحوُل البنيوي في الجينوم الفيروسي، تنتج طفرة نقطية. وعندما يتراكم عدد كاف من الطفرات، تنهار مستعمرة الفيروس. ويضيف بليمبر: “هذا ما نطلق عليه اسم التطفُر القاتل، حيث يتطفر الفيروس على نحو يؤدي إلى نفوقه”. ونظرًا إلى أن هذه الطفرات تتراكم على نحو عشوائي، يصعب على الفيروس تطوير مقاومة لعقار «مولنوبيرافير»؛ وتلك ميزة أخرى لهذا المركب.

لكن بعض الباحثين يرون أن قدرة المركب على إحداث طفرات جينية بالفيروس في الخلايا البشرية – بمعنى احتمال أن يُدمج نفسه في الحمض النووي – تثير مخاوف تتعلق بأمانه. من هنا، في مؤتمر صحفي عُقد في الجمعة الأولى من شهر أكتوبر الجاري، صرحت داريا هازودا، نائبة رئيس شركة «ميرك» لقسم اكتشاف الأمراض المعدية وكبيرة المسؤولين العلميين بالشركة، بأن «ميرك» لم تفصح بعد عن أي بيانات تفصيلية متعلقة بأمان العقار، لكنها أضافت قائلة: “نحن على ثقة كبيرة بأن العقار سيكون آمنًا إذا استُخدم على النحو المخصص له”.

وصول عالمي

من شأن تطوير مضاد فيروسات فعال يؤخذ عن طريق الفم أن يصبح أداة مذهلة في المعركة ضد الجائحة، لكن لم يتبين بعد ما إذا كان عقار «مولنوبيرافير» سيكون متاحًا للجميع، أم لا. من هنا، تتساءل راشيل كوهين، المديرة التنفيذية لمبادرة «عقاقير للأمراض المهملة» Drugs for Neglected Diseases في أمريكا الشمالية قائلة: “هل سيسمح الوضع بأن تكون أسعار العقار معقولة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط؟”.

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وافقت على شراء عقاقير تكفي لـ 1.7 مليون دورة علاجية من عقار «مولنوبيرافير» مقابل 1.2 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل حوالي 700 دولار لكل دورة علاجية بالعقار تستمر لمدة خمسة أيام. وهذه تكلفة أقل كثيرًا من سعر عقار «ريمديسفير» أو سعر الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، لكنها تظل باهظة بالنسبة لكثير من بلدان العالم. وقد أبرمت شركة «ميرك» – التي تتعاون مع شركة «ريدجباك» في تطوير العقار – اتفاقيات لمنح ترخيص إنتاجه لخمس شركات هندية لتصنيع الأدوية غير مسجلة العلامة التجارية. وتسمح هذه الصفقات لجهات التصنيع تلك بتحديد أسعار العقار في الهند و100 دولة أخرى ذات دخل منخفض ومتوسط.

ولكن حتى إذا تسنى للبلدان الفقيرة شراء العقار، فقد لا تمتلك الوسائل التشخيصية التي تتيح لها استخدامه على النحو الصحيح. على سبيل المثال، إذا كان من الضروري إعطاء عقار «مولنوبيرافير» في غضون الأيام الخمسة الأولى من ظهور أعراض المرض، فإن ذلك “يتطلب أن نكون قادرين على تشخيص الإصابات سريعًا”، حسبما تقول كوهين، التي تضيف قائلة إنه بالنسبة للعديد من البلدان النامية، وحتى بعض الدول الغنية، “يشكل هذا تحديًا كبيرًا”.

المصادر: 12

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى