العالم يقرأ

كتاب “المخ الأبله” لـ “دين برنيت” يناقش الانحياز الأنوي للمخ

أثناء التحقيقات في فضيحة “ووترجيت” في أمريكا عام 1972، قام أحد المخبرين واسمه “جون دين” بإخبار المحققين عن الخطط والنقاشات التي شارك فيها، وأدت إلى المؤامرة السياسية والتعتيم عليها، وذكر الحوارات التي دارت أثناء الجلسات والاجتماعات التي كان يحضرها ويتم فيها التدبير والتخطيط لتلك المؤامرة.

وعند سماع المحققين لتسجيلات تلك الاجتماعات لاحقا، وكانت تسجيلات دقيقة للمناقشات، اتضح أن “جون دين” كشف فقط عن “جوهر” أو “مضمون” ما حدث، لكن معظم ما قاله كان غير دقيق بشكل مثير للقلق، فقد وصف نفسه أنه كان شخصية محورية ومؤثرة في التخطيط والنقاش، وذلك بعباراث مثل “قلت لهم”، و”عندما قال لي فلان قلت له”، و”عندما قال علان قلت له”، بينما كشفت أشرطة التسجيل أنه كان بالكاد يلعب دورا في الحديث.

الرجل لم يكن يكذب فقط ليعزز إحساسه بأهميته، أو ما يسمى “الإحساس بالأنا”، بل إن ذاكرته “تغيرت” لتتوافق مع إحساسه بهويته وأهميته لنفسه، وهو ما يسمى “الانحياز الأنوي – “Egocentric Bias أي انحياز الذاكرة إلى ما يدور حول شخصيتي واعتقادي بأهميتي، والتي يقوم فيها المخ بتعديل وتحوير ذكرياتنا لتظهر الأحداث الماضية بطريقة تجعلنا نبدو أمام أنفسنا بشكل أفضل مما كنا عليه فعلا.

فمثلا إذا قام مجموعة من الأشخاص في موقف ما باتخاذ قرار جماعي، يميل كل شخص من هؤلاء إلى “تذكر” أنه أثّر في اتخاذ القرار النهائي، بشكل أكبر مما كان في الحقيقة، وهو ما حدث مع السيد “جون دين” في الحالة المذكورة هنا.

ليس هذا الأمر قاصرا على الأحداث السياسية أو الكبيرة أو المهمة فقط، بل يمكن أن يحدث في أشياء بسيطة أيضا، مثل تذكر أنك كنت في شبابك معبود الفتيات، أو إنكِ كنتِ معشوقة جميع الطلبة والأساتذة في الجامعة، بينما لم يحدث هذا في الواقع!

عند حدوث هذا لا يكون بالضرورة مثالا على شخص يكذب أو يهول أو يبالغ في الأمر ليثير انتباه الناس وإعجابهم، فهذا عادة ما يحدث مع ذكرياتنا حتى وإن كنا لا ندري ولا نخبر أحدا عنها، فنحن نعتقد بصدق أن تصورنا الشخصي للذكريات عن الأحداث الماضية هو تصور دقيق وعادل ومنصف، فالتعديلات والتغييرات التي يحدثها المخ لتعطينا صورة أكثر جاذبية عن أنفسنا، تكون دون وعي منا بالكلية في أكثر الأحيان.   

توجد انحيازات أخرى يمكن ربطها بالأنا، فهناك “انحياز دعم القرار – Choice-Supportive Bias”، عندما يتحتم عليك الاختيار بين بدائل عديدة، فتتذكر أن ذلك الخيار كان أفضل من كل الخيارت الأخرى، ولو لم يكن كذلك في الحقيقة في ذلك الوقت، فربما كانت كل الخيارات متطابقة من حيث كفاءتها وما سيترتب على اختيارها، لكن المخ يعدل ذاكرتك لتحقّر من الخيارات التي رفضتها ويعظم من الاختيار الذي اخترته، مما يجعلك تشعر أنك اخترت اختيارا صحيحا وحكيما، حتى لو كان اختيارك عشوائيا تماما.

هناك أيضا “تأثير الإنتاج الذاتي – “Self-Generation Effect” عندما تكون أقدر على تذكر ما قلته أنت عن تذكر ما قاله أشخاص آخرون في موقف ما، فلا يمكنك أبدا ضمان إلى أي مدى يكون شخص آخر دقيقا وصادقا، لكنك تعتقد أنه عندما تقول أنت شيئا ما، فإنك تكون صادقا تماما، وترى أن ذاكرتك توافق على هذا وتؤكده بشدة.

ما يثير القلق أكثر هو الانحياز للعرق الشخصي (Own-Race Bias)، والذي يظهر عندما يتعثر الناس في تمييز أشخاص من أعراق مختلفة عن عرقهم الشخصي أو تذكرهم، وأن يفضلون أو يركزون على الأشخاص المنتمين لنفس العرق أو خلفية عرقية مماثلة عن أولئك الآخرين، لأن عرقك هو “أفضل” عرق، وقد لا تعتقد أنت هذا في الحقيقة، لكن عقلك الباطن قد يعتقده تماما.

(أمثلة من عندي على الانحياز العرقي: إيمان اليهود بأنهم شعب الله المختار، واعتقاد الألمان النازيين أن الجنس الآري هو أفضل جنس في العالم، وقول العرب أنهم أصل الشجاعة والمروءة والكرم، وتفاخر المصريين بأنهم خير أجناد الأرض، مع أن هذ كله لا يوجد أي دليل عليه!).

يوجد أيضا ما يسمى “انحياز الإدراك المتأخر – Hindsight Bias“، والذي يحدث عندما نتذكر بصدق أحداث الماضي على أنها كانت متوقعة، على الرغم من أننا لم نكن في الحقيقة نستطيع حتى أن نأمل توقعها في الماضي.

(مثال من عندي: قولك مثلا “لقد كنت أعرف أن زوجتي ستقوم بحادثة بسيارتي، لأنها لا تجيد القيادة”، فيبرز هنا السؤال المنطقي: إذا كنت تعرف أن زوجتك ستتسبب  في حادثة بسيارتك، فلماذ سمحت لها بقيادتها؟).

هذا ليس نوعا من التلفيق لتضخيم الذات، فالمخ يغير ذكرياتنا ليعزز إحساسنا بالأنا، وذاكرتنا تدعم بصدق أننا كما على علم أفضل ودراية أكبر من غيرنا. 

وهناك ما يسمى “انحياز أثر التلاشي –Bias Fading-Effect“، والذي يعني أن الذكريات العاطفية للأحدث السلبية تتلاشى وتختفي بشكل أسرع من الأحداث الإيجابية، الذكريات نفسها يمكن أن تظل كما هي، لكن الجزء العاطفي منها يمكن أن يتلاشى مع الزمن إذا كانت ذكريات مؤلمة.

(مثال من عندي: يمكن مثلا أن تتذكر أن والدك قد ضربك مرة، لكنك لن تتذكر مشاعر الألم أو الحزن أو الغضب نتيجة هذا الحدث، بينما تتذكر تماما مشاعر الفرح والسعادة والبهجة عندما كان يأتيك والدك بملابس العيد الجديدة).

بشكل عام، المشاعر المزعجة تتلاشى أسرع من المشاعر الجميلة، ومن الواضح أن المخ “يفرح” عندما يحدث لك شيء جميل، ولا يهتم بكل ما عدا ذلك.

(ملحوظة من عندي: لهذا نحن نتذكر أيام الطفولة ونسميها “ذكريات الزمن الجميل”، فمخنا يواري الكثير من المشاعر السيئة أو المريرة التي مررنا بها زمان وتسببت في حزننا، ويُبقي فقط المشاعر الطيبة الجميلة التي أسعدتنا، وبالتالي نعتقد أن زمان كان أفضل وأجمل من الآن، ليس فقط في أيام الطفولة، ولكن عامة في ذلك “الزمن الجميل”).

الخلاصة أن كل ذكرياتنا تُشكَّل من وجهة نظر شخصية وغير موضوعية، ووجهة النظر الوحيدة التي نرى من خلالها عندما نحكم على الأشياء، هي وجهة نظرنا، ونتيجة لذلك يمكن أن يقود هذا ذاكرتنا لتعطي الأولوية لكونها “صحيحة” أكثر من كونها عير ذلك، لدرجة ان أحكامنا على الأشياء تُحمى وتُعزز في الذاكرة، حتى وإن كانت غير صحيحة تماما.

فوق هذا، إحساسنا بتقدير ذواتنا وشعورنا بالإنجاز يبدوان أساسيين لحياة طبيعية عند البشر، وإذا فقد الناس إحساسهم بتقدير الذات (Self-Esteem)، كما يحدث مثلا للأشخاص المصابين بمرض الاكتئاب (Depression)، فذلك يمكن أن يكون مرهقا ومؤلما جدا، فقدر من الثقة بالنفس والإحساس بالأنا، حتى وإن كانا من صنع الذاكرة وتوهماتها، مهم جدا لحياة طبيعية. 

عرض/ د. هانى سليمان

من كتاب: المخ الأبله – The Idiot Brain

للدكتور “دين برنيت”.

ترجمة عيسى عبد الله.

الناشر: دار عصير الكتب للنشر والتوزيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى