حلول مبتكرة

قوة الزهور.. حركة استعادة المروج البرية في بريطانيا

النباتات والزهور “البرية المحلية” في أي بلد هي الأساس في استعادة عافية البيئة، وللأسف فإن بلدان العالم مع زحف الزراعة الحديثة فقدت كثيرا من مظاهر وجود تلك النباتات، بل ربما فقدت بعض الشعوب ذاكرتها فلم تعد تعرف ما هو بري محلي مما هو غير ذلك، فضلا عن فقدان الوعي بأهمية استعادتها مرة أخرى.

وعلى مدى قرن كانت بريطانيا من البلدان التي زحفت فيها الزراعة الحديثة، ومعها فقدت بريطانيا 97% من مروجها التي كانت تضم تلك النباتات والزهور، كما يشير مقال للكاتب المتخصص في شئون البيئة على موقع الجارديان باتريك باركام Patrick Barkham نشر بتاريخ 23 يناير الماضي، وذلك على الرغم من أن تلك النباتات والزهور لا تزال تقاوم الانقراض، حيث تنمو على جوانب طرقات السكك الحديدية، وحواف المجاري المائية وغيرها من الأماكن التي لم تصل إليها يد الإنسان ولا ماكينات جز الحدائق والعشب.

غير أن عددا متزايدا من مبادرات المنظمات الأهلية نشأت في السنين الأخيرة لإعطاء قبلة الحياة لإحياء المروج المخصصة للأنواع البرية المحلية بحسب نفس التقرير.

يشير التقرير إلى أول تلك المبادرات وهي مبادرة منظمة بلانت لايف Plantlife التي نجحت منذ تأسيسها في عام 2013 في إنشاء 5 آلاف مرج غني بالزهور البرية تبلغ مساحتها الإجمالية 12 ألف فدان.

كما ظهرت العشرات من مجموعات المروج الشعبية، مستوحاة من كل شيء بدءا من مشاهد التنقيب في بولدارك إلى الكتب التي ألفها مزارع تلال كمبريان جيمس ريبانكس James Rebanks، ومالكة أرض ويست ساسكس إيزابيلا تري Izabella Tree. الجميل أن الأزهار البرية لا تعود إلى المجتمعات الريفية فحسب، بل إلى المجتمعات الحضرية أيضا.

وفي هذا العام 2021، كما يقول باركام، يقوم صندوق الإنعاش الأخضر Green Recovery Fund التابع للحكومة بإنشاء 1200 فدان أخرى من المروج، حيث يتعلم “صانعو المروج” المتدربون مهارات صيانة المروج.

يشرح تريفور داينز Trevor Dines أخصائي النباتات في بلانت لايف كيف يقومون بعملية استعادة النباتات البرية المحلية عبر إزاحة الطين، ونشر التبن الطازج الذي يحتوي على بذور زهرة برية محلية جلبوه من مرج قريب غني بالزهور، وهي التقنية التي تعرف بـ “البذر الطبيعي” والتي يعتبرونها مبدأً أساسياً في إحياء المروج.

وفي هذه المروج يتم قطع الحشائش مرة واحدة في العام في أواخر الصيف، وإزالة القصاصات، لأنه إذا تُرك العشب المقطوع في الحقول، فإنه يقوم بتدوير العناصر الغذائية مرة أخرى إلى التربة، وتعني التربة الغنية بالمغذيات أن أنواع الحشائش العدوانية تخنق الأزهار البرية الأكثر حساسية.

وفضلا عما تنتجه تلك المروج الغنية بالأزهار البرية من رحيق للنحل، فإنها تقدم غذاء صحيا للماشية، حيث إن تلك الأعشاب والتربة الغنية بالمعادن لتلك المروج تقدم صيدلية طبيعية لأمعاء الماشية.

إضافة إلى ذلك فإن تلك المروج توفر بيئة مواتية لـ 1400 نوع من اللافقاريات كحشرات المن والجنادب والخنافس والفراشات والعناكب وغيرها، والتي تمثل قوة حقيقية للتنوع البيولوجي في هذه المروج، فضلا عن تقديمها ملاذات ومطاعم للطيور، كما أن المروج التي تنبت في قيعان الأودية تمسك نباتاتها بمياه الفيضانات. وكما يقول داينز فإن المروج تتفوق كذلك في تخزين الكربون.

هيلين باشكوفسكا Helen Baczkowska من نورفولك وايلدلايف تراست Norfolk Wildlife Trust هي صانعة مروج أخرى، وهي تعمل مع المزارعين على استعادة المروج المفقودة من خلال إعادة زرعها بالتبن الخاص بالنباتات المتبقية على حواف الطرق، وهي كما تقول: الملاذ الأخير تقريبا للزهور البرية في أجزاء من الأراضي المنخفضة في بريطانيا.

وكما تشير باشكوفسكا فإن معظم صانعي المروج يشترون بذور الزهور البرية من أجل الإنشاء الأولي للمروج، لكن هذا ليس هو الاختيار الأمثل. وأن الأفضل هو جمع البذور المحلية يدويا – كما يفعل Norfolk Wildlife Trust بالشراكة مع Norfolk Farming  وWildlife Advisory Group، وهي مؤسسة خيرية يديرها المزارعون – لأن هذا يمنح المروج موسم أزهار أطول بكثير، مما يجعلها أكثر فائدة للملقحات وأكثر جمالا. مضيفة أن “الحفاظ على أنواع البذور المحلية سيمنحك هذه المرونة في مواجهة تغير المناخ”.

نموذج آخر مختلف بعض الشيء قدمه تقرير الجارديان، حيث يتواجد مشروع خارج الطريق السريع المزدحم بين يورك وسيلبي وهو مشروع ثري هاجز Three Hagges، وهو “مرج غابي ” تم إنشاؤه في عام 2012 بواسطة روس فوربس آدم Ros Forbes Adam، التي قامت عائلتها بزراعة المنطقة لمدة 350 عاما.

اعترفت فوربس آدم بأنها “لم يكن لديها دليل” عندما بدأت في إنشاء ما خططت له هي وزوجها في الأصل كغابة جديدة في حقل شعير مساحته 10 هكتارات. حصلت على منحة من لجنة الغابات لزراعة الأشجار، لكنها حصلت أيضا على اتفاقية لإنشاء مروج على 40 ٪ من المساحة. ما ظهر هو ما يسميه علماء البيئة “المراعي الخشبية wood pasture” أو “المروج الغابية woodmeadow“، وهي فسيفساء من العشب والأراضي الحرجية كانت منتشرة في السابق في بريطانيا القديمة ولا تزال موجودة في الدول الاسكندنافية وأوروبا الشرقية.

والنتيجة كما يقول تقرير الجارديان أنه تم حتى الآن تسجيل أكثر من 1000 نوع من اللافقاريات، بما في ذلك 34 نوعا من النحل و26 نوعا من الفراشات و43 نوعا من حوامات hoverfly – لم يتم العثور على أي منها في حقل الشعير القديم.

فضلا عن ذلك فقد قدم مشروع ثري هيجز Three Hagges، المفتوح للجمهور، ملاذا للناس أيضا، فهناك زيارات مدرسية و90 متطوعا يساعدون في إدارة الموقع. وقد أنشأت فوربس آدم منذ ذلك الحين مؤسسة خيرية تسمى وودميدو تراست Woodmeadow Trust، تقدم المشورة لأكثر من 12 مجموعة مجتمعية أخرى وملاك الأراضي في مشاريع المروج الخشبية، من يوركشاير إلى لندن. تقول فوربس آدم: “من المثير حقا أننا بدأنا في إلهام الآخرين”، “إن ما نطمح إليه هو روضة خشبية في كل دائرة”.

وكما تقول فوربس فإن مشروعها وأمثاله يجلب أعدادا هائلة من الملقحات إلى المناظر الطبيعية، والتي تفيد جميع المزارعين المجاورين. بينما يشير داينز إلى نتائجه قائلا “لقد بدأت بحقل به بالكاد بعض الزهور، والآن لدي 9 ملايين زهرة في يوم صيفي. هل ستخبرني أن هذا ليس إعادة للبرية؟ لقد أعدت البرية إلى هذا الحقل. ولسوء الحظ أنني أملك بضعة أفدنة فقط، ولكن إذا قام كل مزارع بعمل مرعى صغير، فسوف نستعيد الحياة البرية قريبا”.

الأمر جدير بالتفكير والتأمل، وبتقديم نماذج مماثلة لاستعادة النباتات والزهور البرية المحلية في بلادنا، فالناس في بلادنا لا تقتنع إلا عندما ترى بنفسها مشاريع، يمكن أن تكون ناجحة ومستدامة خارج إطار الأفكار التقليدية، يكون فيها النفع العميم للبيئة وللناس.

د. مجدى سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى