نابغون

عائشة بنت قادم .. من عجائب زمانها وغرائب أوانها

إن الحديث عن الأندلس وتاريخها, يحمل في طياته الكثير من معاني الفخر والاعتزاز بأمجاد أولئك العرب الذين أرسوا في الأندلس دعائم وطيدة من الحضارة والتمدن, وقواعد راسخة من المثل والأخلاق النبيلة.

وعندما بلغت الحضارة العربية ذروتها في الأندلس كان لابد للمرأة من أن ترتقي فكرياً وفنياً, فلم تتخلف المرأة الأندلسية عن المشاركة في النهضة الثقافية. حيث أسهمت مساهمة عميقة في مجالات عدة؛ في الأدب والعلم, وليس غريباً إذن أن تنبغ في عصر كان خلفاء الأندلس وملوكها, عامة الناس فيها تقريباً, مولعين بالعلوم والآداب, وقد درجوا على تشجيع كل عبقرية وتكريمها.

ومما لا شك فيه أن الكثيرات من النساء في عهد ملوك الطوائف, قد انصرفن كلياً إلى العلوم والآداب, مما جعل ولعهن بها حدثاً تاريخياً عظيماً, نذكر منهن, “عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم”, (عائشة القرطبية) من أهل قرطبة. شاعرة قديرة عفة جريئة أديبة خطاطة دينية. كانت ذات مقدرة فذة على ارتجال الشعر.

امتازت بذكائها النادر, وكانت خطبها تلقى في الأكاديمية الملكية في قرطبة وتلقى استحساناً كبيراً, وخلفت وراءها آثاراً أدبية عظيمة ومكتبة غنية.

ووصفها ابن حَيّان صاحب «المُقتبس» بقوله: «لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس مَنْ يَعْدِلُها علماً وفهماً وأدباً وشعراً وفصاحةً، تمدحُ ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يَعْرِض لها من حاجة، وكانت حسنة الخَطّ، تكتب المَصاحف». عنيت عائشة القرطبية بجمع الكتب، فكانت لها خزانة كبيرة. وماتت عذراء لم تتزوج عام 400 هـ.

يُستخلص من أخبار عائشة القرطبية وشعرها الباقي أنها كانت أديبة مُتقنةً تعتني بفنون من العلم، وشاعرة بارعة تنافس الشعراء: جودة شعر، وقدرة على النظم بداهةً، وكاتبة مترسّلة على رسائلها علامات الجودة والفصاحة والبيان، وحسنة الخط تكتب المصاحف، وتَنسَخُ الكتب النفيسة، وكانت تَجمَعُ الكتب (تشتريها لخزانتها الخاصة)، فصيحة بليغة. قال في الصلة: كانت “تبلغ ببيانها ما لا يبلُغه كثير من أدباء وقتها ..”.

 ومن الناحية الاجتماعية، كانت تفِدُ على الحكام وذوي الشأن؛ تمدح، أو تقضي مصالح وشؤونًا لها ولغيرها، وكانت غنية ذات ثروة، وكانت تعين ذوي الحاجات من مالها، وكانت متمكِّنةً في شخصيّتها، تخاطب من تشاء مشافهةً أو مراسلةً.

وقال المقري عنها أنها من عجائب زمانها, وغرائب أوانها, وأبو عبد الله الطيب عمها, ولو قيل “إنها أشعر منه” لجاز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى