تعليم

العلم والثقافة العلمية

العلم والتعليم مرتبطان بالمجتمع، وبالتالي لهما جوانب اجتماعية وثقافية، وإذا كانت الغاية هي تحسين حياة الناس بواسطة العلم فلابد أن يتمتع أفراد المجتمع وجماعاته بوعي مبني على معرفة وعلم يتيح لهم اتباع التفكير العلمي كمنهاج حياة وأن يكون العلم ومناهج البحث جزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع لكي يستطيع أن ينتج ويبدع ويساهم ويستخدم العلم وتطبيقاته.

بين الثقافة العلمية والمعرفة

 عادة نميز الثقافات جغرافيا أو دينيا أو اثنيا، كأن نقول “الثقافة الغربية” ونعني بها ثقافة المجتمع الغربي، أو الثقافة الاسلامية وتعني ثقافة المجتمع المسلم … وهكذا، وهي تعني القيم والمبادئ التي تقوم عليها وتشمل العادات والتقاليد والأعراف المتبعة. والحقيقة أن لكل مجتمع مهني أو فكري ثقافة خاصة به، فنجد أن ثقافة وأعراف مجتمع الصيادين مثلاً تختلف عن تلك التي لمجتمع المزارعين أو التجار. لكل مجتمع داخل المجتمع الكبير قيم وثقافة تتداخل مع ثقافة المجتمع الكبير وتتمايز عنها. والأمر لا يختلف في حالة المجتمع العلمي، فللمجتمع العلمي ثقافته وأخلاقياته وأعرافه المتبعة، تتشارك مع المجتمع الإنساني ومع المجتمع المحلي وتتمايز عنها أيضا.

هدف العلم وشغف العلماء هو الوصول للحقيقة والعلم بها بعد جهل، وتفسير الظواهر وقوانين الطبيعية ومن ثمً تطويعها لخدمة الإنسان وتحسين نوعية حياته.

 من هنا، وللتأكد والتحقق من الوصول للحقيقة كان لابد من وجود ثقافة خاصة بالمجتمع العلمي.

ثقافة المجتمع العلمي تشتمل على عدد من الأعراف والقيم التي يجب أن يلتزم بها كل من ينتمي لهذا المجتمع، والخروج عليها يعرضه للنبذ والإقصاء من هذا المجتمع. من تلك الأعراف ما يلي:

الصدق والنزاهة والموضوعية والأمانة والدقة في البحث وتحليل البيانات واستخلاص النتائج، لأن الهدف هو الحقيقة.

التدقيق الصارم، والمناقشات العلمية في كل ما يطرح على الساحة، فعندما يعرض أحد الباحثين ما توصل إليه في تجربة أو نتيجة أمام مجموعة من المتخصصين، سيبدأ بعد ذلك الحضور بالأسئلة، من قبيل كيف تم ذلك؟ وما هي المعايير؟ وما ذا لو؟ وما الدليل والبرهان؟ و..و..، هذه النقاشات أمر متعارف عليه في المجتمع العلمي، بل إن عدم حدوثه يدل على خلل ما، أو أن الفكرة والورقة لا تستحق الاهتمام.

العقل العلمي حر في تفكيره ولا يقبل إلا ما يقتنع به، وهو ناقد ويقبل النقد والمناقشة لأن الهدف هو الوصول للحقيقة. والعلم كما هو معلوم يبدأ بالشك. ومن هنا، نجد أن المجتمع العلمي، يقوم أساساً على العلاقات بين الأقران فيه، التشاور والتشارك والتعاون والتحكيم، ثم إقرار وتزكية أو رفض وعدم قبول للنتائج.

ثم يأتي دور مجلات متخصصة تحكّم العمل أيضاً وتطلب تعديل المادة قبل نشرها إن رأى التحكيم ذلك، ومن ثمّ تُنشر ويطلع عليها جمهور المهتمين المتخصصين ليبدوا الرأي فيها، ومناقشتها فإما تُقبل وتُبنى عليها أعمال وبحوث جديدة أو تُرفض.

نسبة الفضل لأهله، أو ما يسمى الاقتباس العلمي وذكر المراجع وأسماء الباحثين، وإلا اعتبر ذلك استلالاً وسرقة فكرية، فالأمانة العلمية واجبة وشرط أساس في استخلاص النتائج وفي نسبتها لأهلها.

الالتزام الأخلاقي: لابد أن يلتزم العالم والباحث بالأخلاق التي يتعارف عليها مجتمعه الكبير وثقافته ومعاييره الدينية والأخلاقية، حتى لا يتصادم مع المجتمع، خاصة وأن العلم له جوانبه الثقافية والاجتماعية كجزء لا يتجزأ من المجتمع الكبير.

وبصورة عامة، فإن العلماء المتميزين غالباً ما يهتمون بمجتمعاتهم وقضايا الإنسان ويسعون جهدهم لتحسين نوعية الحياة وتخفيف آلام البشر.

نشر المعرفة أو التوعية العلمية

ثم يأتي موضوع نشر المعرفة، أي نشر المعلومات والأخبار العلمية الضرورية لأفراد وجماعات المجتمع عامة والمجتمع العلمي خاصة. هذه المعلومات، لابد أن تكون صحيحة ودقيقة وموضوعية أيضاً، حتى لا يتسبب نشرها بنشر الجهل والخرافة بين العامة والخاصة. هذه المعرفة، هي نتائج بحوث وعمل المجتمع العلمي والتي تم قبولها فيه. وبالتالي، لابد أن تصدر عن المجتمع العلمي نفسه وليس من غيره. لذا، لابد في كل مؤسسة علمية من وجود متخصصين لديهم القدرة على نشر المعلومة العلمية بمصداقية ودقة ووضوح بوسائل متعددة، وهذا يستلزم إعدادهم وتدريبهم، وهو ما يسمى بالصحافة العلمية أو الإعلام العلمي. 

إذن، عندما نقول إننا نسعى لنشر الثقافة العلمية، فيجب ألا يكون المقصود فقط، رغم أهميته، هو نشر المعلومة والأخبار العلمية، بل يجب أن يكون المقصود أيضا نشر أسلوب ومناهج التفكير العلمي، التدقيق في صحة المعلومة والتأكد من مصداقية المتحدث والمناقشة التي تهدف للوصول للحقيقة، بكل نزاهة وموضوعية وصدق، وذكر المصدر ومعرفة الرموز العلمية من العلماء والباحثين.

 من وجهة نظري، يجب السعي لنشر الثقافة العلمية بهذا المعنى لكي يتمكن المجتمع من الانخراط في عالم العلم والمعرفة. وتتكون لديه ملكة التفكير النقدي والمنطقي والتثبت في تصديق كل ما يسمع ويرى من أخبار، ناهيك عن إعادة نشرها. ومن أخطر أنواع تلك المعلومات ما يتعلق بالصحة. 

تدعم منظمة المجتمع العلمي العربي الصحافة والكتابة العلمية الرصينة، وترحب بمبادرات الشباب الرامية إلى تعزيز مصداقية المعلومات والأخبار العلمية.

ونصيحتي لنفسي وللجميع اتباع قول الله جل في علاه: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (111) سورة البقرة، وجعله منهاجاً للتفكير وللحياة. وجعله منهاجاً للتفكير وللحياة.

د. موزة بنت محمد الربان

رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى