العالم يقرأ

وصفة “أمين الريحاني” للخروج من حالة التراجع العلمي التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية

أعادت دار إشراقة نشر كتاب مهم للأستاذ أمين الريحاني وهو (نور الأندلس)، وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب والتى وضعها الدكتور وجية يعقوب الاستاذ بكلية الألسن جامعة عين شمس: “من حق القارئ أن يقف على سبب اختيار هذا الكتاب بالذات لإعادة نشره في هذا التوقيت رغم مرور سنوات طويلة على صدوره؛ فقد صدر في ثلاثينيات القرن الماضي، وما الذي يمتاز به عن غيره من الكتابات التي تتحدث عن الأندلس تاريخاً وفناً وأدباً وسياسة؟ فمنذ ابن حيان القرطبي وابن عذاري والمقري ولسان الدين الخطيب وصولاً إلى حسين مؤنس ومحمد عبد الله عنان وشكيب أرسلان ومحمد كرد علي واللواء محمود شيت خطاب وعبد الحليم عويس ومحمود علي مكي والطاهر مكي وغيرهم، وسيلُ الكتابات عن الأندلس أو الفردوس المفقود لم يتوقف، ناهيك عن الدراسات الأكاديمية الغربية التي قدمها المستشرقون في هذا الصدد وهي كثيرة جدا، ومنها: قصة العرب في إسبانيا لستانلي لين بول، وعمارة المساجد في الأندلس لباسيليو بابون مالدونالدو وغيرها، بالإضافة إلى عشرات الروايات والأعمال الفنية التي قُدِّمتْ عن هذا البلد الجميل وتاريخ العرب الزاهر فيه”؟

رؤية ثاقبة وثقافة واسعة ونظرة استشرافية

يقول د. وجيه يعقوب: إن الأعمال الأصيلة لا تموت ولا يخف تأثيرها أو تقل قيمتها بمرور السنوات، بل تزاحم وتطاول سائر الكتابات الجادة والرصينة في كل عصر، خاصة حين يكون الكاتب من طراز أمين الريحاني، الذي كان يتمتع برؤية ثاقبة وثقافة واسعة ونظرة استشرافية واعية للمستقبل، وقد عاصر كبار كتاب النهضة ومفكريها وكان أحد دعاتها وحاملي لوائها، فليس من المقبول بحال من الأحوال أن نتنكر للماضي ونتغاضى عما قدمه أسلافنا بدعوى الحداثة والتجديد، ولا من الحكمة أن ندعو للقطيعة المعرفية مع الماضي أو نستجيب لتلك الدعاوى المتطرفة، التي افتعل أصحابها خصومة بين الماضي والحاضر بلا أية فائدة؛ فالارتباط الوثيق بين الماضي والحاضر من الأمور التي لا ينكرها عاقل، وعلى أساس هذا الارتباط ربما تقوم نظرية التناص أو التعالق النصي؛ التي تؤكد على أن كل نص هو امتصاص لنصوص أخرى أو تحويل عنها وليس مستقلا بذاته، فمن الوهم أن نعتقد بأن العمل الأدبي له وجود مستقل بذاته، فالنصوص بحسب تعبير رولان بارت تتبادل أشلاء نصوص دارت أو تدور في فلك نص يعتبر مركزا، وفي النهاية تتحد معه. (انظر د. محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري – إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1992م، ص121).

العودة إلى الماضي لاستكمال المسيرة.. لا لتقليده

وفي الوقت ذاته لا ينبغي أن نكون أسرى لهذا الماضي، ولا عالة على ما تركه الأسلاف بدعوى المحافظة على التراث والخوف على ضياع الهوية وانطماسها، أو كما يقول أمين الريحاني: يجب أن نعود إلى الماضي لا لنقلده بحذافيره، بل لنستنير بأنواره ونكمل الرسالة، التي حملت الجدودُ أعلامها؛ رسالة العلم والثقافة والرقي البشري. (انظر: أمين الريحاني: أبو الطيب رسول العربية، مجلة الطليعة، العدد 6، أغسطس 1936م.)

وأمين الريحاني كاتب كبير ومفكر أصيل وفيلسوف إصلاحي واسع الثقافة منفتح على كافة الثقافات، لا تزال لأفكاره وآرائه التنويرية والقومية صداها الواسع في الدراسات والبحوث العلمية الجادة، وقد تنوعت كتاباته تنوعا عجيبا ومدهشا تدل على سعة ثقافته وثراء فكره ومواكبته لعصره بل لقد كان سابقا لعصره في كثير من القضايا والآراء، وقد كانت له إسهامات ثرية في مجال الفكر والأدب والفلسفة والرواية والمقامة والتاريخ والشعر وأدب الرحلة والرسم وفن الكاريكاتير وغيرها، وانصب مشروعه الفكري والإصلاحي بالأساس على المناداة بإصلاح التعليم، واللغة، ونبذ التعصب والقوميات البغيضة، والتعايش بين الشعوب والأديان والثقافات المختلفة، كما نادى بتطور الأدب وضرورة مواكبته للعصر، ودعا لبلاغة عصرية يكون قوامها وروحها الاهتمام بالفكر، وهو صاحب مشروع تنويري متكامل لا يتوقف فيه عند الجزئيات أو الظواهر السطحية؛ فنراه يرد أسباب تراجع العالم العربي والإسلامي وتخلفه إلى الجهل والكسل والادعاء، ومن هذا الثالوث المدمر انبثقت كل العيوب والآفات كالجمود والعجز والفقر وخداع النفس والاستسلام والخمول والاهتمام بالمظاهر الاجتماعية الهشة والجوفاء التي تقدس الوجاهة والمجد الباطل والألقاب والعظمة والأبهة. (انظر: أمين الريحاني: كيف تصلح الأمة؟ المقتطف، العدد 3، مارس 1928م.)

إصلاح التعليم وتطوير أساليبه وأدواته

فإذا أرادت الأمة أن تنهض فعليها أن تهتم بإصلاح التعليم وتطوير أساليبه وأدواته، ومن أهم الطرق المتبعة في الغرب آنذاك التي يذكرها الريحاني ويدعو للأخذ بأفضلها؛ الطريقة اليونانية التي تعتمد وتعول كثيرا على الكتب والذاكرة والحفظ والتلقين، والطريقة الأنجلو سكسونية التي تعول على العقل والتفكير وإتاحة الحرية للطالب لإبداء رأيه ووجهة نظره في الأشياء، ويعزو الريحاني سبب إخفاق التعليم في مدارسنا ومعاهدنا إلى الاعتماد على الذاكرة والحفظ والكتب أو اتباع الطريقة اليونانية كما أسماها. (أمين الريحاني: كيف تصلح الأمة؟ المقتطف أبريل 1928م.)

وهو يعيب مواقف العديد من الأدباء والنقاد وعلماء اللغة المحافظين، الذين يقتصر موقفهم من التجديد والإبداع على ظاهر اللغة والألفاظ بحجة الحفاظ على القواعد والتراث، دون الاهتمام بروح اللغة والمجاز والمنطق، وطريقة التفكير، وأسلوب الكاتب الذي هو صورة لشخصيته، وحقه في الحرية في التعبير كما يريد، وعدم مراعاتهم الذوق الخاص لكل كاتب في اختيار الأسلوب الذي يفضله في الكتابة، ونفورهم من الاستعارة العصرية، وقصر البلاغة والبيان على ما جاء في بطون الكتب وهي ما كان يدعوها الريحاني بدُور الآثار أو المتاحف، وهذا في نظره لا يؤدي إلى تطور حقيقي للأدب؛ فإذا أردنا التطور حقا يجب أن نتخلص من تلك النظرة السطحية في تناول الأمور، وعدم الانكفاء على الذات، والتجديد المزيف، والشغف بالقاموس، والتنقيب عن اللغة المهجورة، وهذا كلام مهم للغاية، وقد أصبح عناوين لموضوعات ودراسات مهمة وجادة قام بها الباحثون والنقاد فيما بعد. (انظر: أمين الريحاني: التجديد المزيف، الهلال، العدد 9 يوليو 1928م.)

التحرر من القيود التي تحول دون الإبداع والتجدد

ومن جميل ما قاله في هذا الصدد وكان يوجهه للأدباء والمبدعين بشكل خاص: حرروا صناعتكم من قِفا نبكي، وسائق الأظعان، إن عندكم اليوم الطيارات لتسوقوا النجوم. حرروا أنفسكم من القيود التي تحول دون الإبداع والتجدد، ودون الصدق في الشعور والحرية في التفكير. خذوا بيانكم ومجازكم واستعاراتكم من لوح الوجود ومن الحياة، لا من الكتب والدواوين. انظروا إلى الكون من خلال أنفسكم الشاعرة الباصرة، ولا تنظروا إلى أنفسكم من خلال الأوهام، الشاعر صوت ونور، وما فيه سوى ذلك هو باطل زائل. (انظر: أمين الريحاني: دروس في الشعر، مجلة المغرب، العدد 11، يونيو 1934م.)

وكان أمين الريحاني كثير الأسفار والرحلات إلى الشرق والغرب، وقد كان لذلك بلا شك أثر كبير على كتابته وطريقة تفكيره ورؤيته للأمور واتساع مدى الرؤية لديه؛ فقد التقى خلال رحلاته عددا كبيرا من الحكام والمسؤولين العرب منهم، الشريف الحسين بن علي أمير مكة، والإمام يحيى إمام اليمن، والملك عبد العزيز آل سعود، وأمير الكويت أحمد الجابر الصباح، وشيخ البحرين حمد بن عيسى، وفيصل الأول ملك العراق، وقد وُثِّقت رحلات الريحاني إلى تلك البلاد وجُمِعت مراسلاته بينه وبين حكامها وطُبعت في عدة مجلدات، ومن أهم هذه الكتب: كتاب ملوك العرب، وتاريخ نجد الحديث، وكتاب النكبات، والتطرف والإصلاح، وكتاب ابن سعود: شعبه وبلاده، وتعد كتاباته في نظر كثير من المؤرخين السعوديين من أهم المصادر عن تاريخ المملكة الحديث، كما تمثل كتبه عن شبه الجزيرة العربية منظورًا بديلاً للحركة الاستشراقية، حيث تقدم وصفًا موضوعيًا وتحليليًا للجزيرة العربية من وجهة نظر عربية خالصة.

وقد مكنته إقامته في الغرب وتأثره بمبادئ الثورة الفرنسية من شرح قضايا العرب بصورة صحيحة للغربيين؛ فدعا إلى استقلال بلاده وبسبب ذلك نفته فرنسا إلى العراق، ودافع عن القضية الفلسطينية وكان يحض المغتربين على التطوع للدفاع عن أوطانهم واستقلال بلادهم، وانتقد المادية الغربية انتقادا شديدا حيث انصب اهتمامها على تلبية حاجات الإنسان الجسدية والمادية فحسب، وشارك مشاركة فعالة في الحركة العربية الأمريكية التي كان من أهم أهدافها إقامة جسور بين الثقافتين الشرقية والغربية والدعوة للتعايش بين كافة الثقافات، وانتقد علنا الحركة الصهيونية وذلك من خلال محاضرات ألقاها في الجمعيات الأميركية والكندية والأوربية، وكان الريحاني أشهر شعراء المهجر بعد جبران خليل جبران، وهو من أوائل الأدباء العرب الذين كتبوا مقالاتهم وأشعارهم باللغة الإنجليزية.

وعلى الرغم من حياته بالغرب وبعده عن الشرق لزمن طويل واشتباكه بالثقافة الغربية، فقد كان الريحاني – كما قال الدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة بحق – محافظا على شرقيته وعروبته، جعل من آلام الشرق وآمال الشرق إلى قلمه وقلبه رسولاً، وقد جسد الشاعر أحمد رامي هذا المعنى بقوله:

ووصفْتَ مجدَ الشرق في أيامه ** ونشَرْتَ ما درجت يدُ المقدارِ

وكشفْتَ عن سرّ الحياة فأصبحَتْ ** مجلوّةً للنفس والأبصــــــــــارِ

(انظر: أمين ألبرت الريحاني: روح العروبة عند أمين الريحاني، مجلة العربي الكويتية، مارس، 2009)

وقد أدرك العلماء والباحثون في الشرق والغرب أهمية كتابات الريحاني ومشروعه الفكري والتنويري، خاصة ما يتعلق منه بحوار الحضارات، والتعايش بين الثقافات، ودعوته إلى نبذ التعصب والعنف، والدعوة إلى التفكير الحر والحداثة، وأشادوا بأفكاره التقدمية والإصلاحية، ووضعوه جنبا إلى جنب مع كبار المفكرين والكتاب في الغرب، وأُلِّف عنه نحو سبعين كتابا، وكتبت عنه مئات المقالات، وترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم. (انظر: عبد النبي اصطيف: من أعلام الأدب المهجري: أمين الريحاني، مجلة المعرفة، العدد: 519، ديسمبر 2006م.)

نور الأندلس

يندرج هذا العمل تحت مظلة أدب الرحلات، وأدب الرحلات يشبه السيرة الذاتية إلى حد كبير؛ حيث يتناول الكاتب الأحداث والمواقف المختلفة من وجهة نظره، ويعرضها في قالب أدبي ينأى فيه عن الأسلوب التقريري وجفاف الواقع، وأدب الرحلات ليس بحثا في التاريخ ولا وصفا جغرافيا ولا عملا أدبيا قائما بذاته وإنما هو كل ذلك، ومن ثم يكتسب أهميته وخصائصه ونكهته الخاصة وقدرته على تلبية مطالب المؤرخين والجغرافيين والأدباء الذين يطمحون لمعاينة الوقائع وسبر غورها العميق. وأدب الرحلات هو محاولة لاكتشاف سر الأشياء والتعرف على تكوينها، الذي يبدو أحيانا ككتل الجليد العائمة في المحيطات والبحار، لا يظهر منها سوى العشر وتبقى الأعشار الأخرى مغيبة تحت الماء. (انظر: د. عماد الدين خليل: من أدب الرحلات، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2005م، ص 5 – 7 بتصرف)

وعلى الرغم من كثرة ما كتب عن الأندلس كما أشرنا في بداية هذه الدراسة، فإن نور الأندلس لأمين الريحاني يمتاز بجملة من الخصائص التي تجعل حاجتنا إلى قراءته والاطلاع عليه ضرورة مُلِّحَة، ويمكن إجمال ما يمتاز به الكتاب في التالي:

عالج الكاتب هذا الموضوع التاريخي المعقد معالجة أدبية تنبض بالجمال والمتعة، بدلا من اتكائه على الحقائق التاريخية الصادمة والمعروفة واللغة ذات الطابع التقريري الجاف والبارد؛ فهو يصف رحلته إلى إسبانيا في بدايات القرن العشرين بعد مرور ستة قرون على خروج العرب من الأندلس، مستخدما إحدى الطائرات الحربية الألمانية التي يصفها وصفا ساخرا؛ فقد كانت الحرب العالمية تدور رحاها في أوروبا في ذلك التوقيت، ومع ذلك كانت لدى الكاتب رغبة ملحة في زيارة إسبانيا ومدنها مهما كلفه الأمر، فمهما تكبد من مشاق وتعرض لأخطار فإن ذلك كله يهون من أجل إشباع روحه المتعطشة والهائمة بتاريخ الأندلس وفنه ورجالاته العظام، وقد وصف الريحاني ذلك وصفا أدبيا ساحرا ممزوجا بالحسرة حينا وبالأمل حينا آخر، ولا شك أن هذا الأسلوب يجذب القارئ ويبعد عنه الملل ويدفعه لمواصلة القراءة ومعرفة ما بين السطور.

وعلى الرغم من قدرته الكبيرة على الوصف والتصوير؛ فإن الريحاني لم يستخدم الوصف استخداما مجردا أو من أجل إظهار مقدرته البلاغية والبيانية فحسب، ولكنه كان وصفا وظيفيا فجاء ممتزجا بأحاسيسه ومشاعره ورؤيته للأشياء ومعينا للقارئ في فهم الكثير من الحقائق التي قد تغيب عنه، ويمكن الوقوف مثلا على وصفه للمهرجانات التي تضج بها مدن الأندلس جميعا والتي تقام لمدة طويلة كل عام ويحرص الجميع على المشاركة فيها، إذ تعد متنفسا لجميع الفئات لا يمكنهم الاستغناء عنها، كما أنها في طياتها تعبير عن الاستقلال والتحرر والتطلع إلى مستقبل زاهر، لذا كان يشارك في تلك الاحتفالات جميع الطبقات، حكاما ومحكومين، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، وكان المشاركون يتفننون في إظهار البهجة من خلال الخروج إلى الشوارع وهم يحملون الهوادج، ويرشون المياه غير مبالين بشيء، وينشدون الأوراد والأهازيج والتراتيل التي تؤكد على وحدتهم الدينية، وقد استمرت تلك الاحتفالات ولم تتوقف إلا في سنوات الحرب، كما تجلت براعة الريحاني في الوصف من خلال حديثه عن تاريخ الرسم والفن في إسبانيا وعلاقته بالآخر؛ فقد تأثر الفنانون الإسبان بالعرب وبالفنانين الإيطاليين، وظهر جيل لديه نزعة استقلالية تجسدت في هذه الصور والزخارف والنقوش التي وضعت على جدران الكنائس، ورغم إعجاب الريحاني الشديد بها وبديع وصفه لها، فإنه يرى أن وضعها على جدران الكنيسة مما يتنافى مع حالة الخشوع والعبادة التي يجب أن يكون عليها العباد.

اليقظة والوعي

ومن أهم ما يميز هذا العمل؛ إيثار الكاتب للإيجاز الشديد وتجنب الإطالة في عرض الأحداث والمشاهدات، اعتمادا على معرفة القارئ للكثير من تلك الأحداث، ومن ثم تجاوزها الكاتب مكتفيا بتأمل مصائر البشر والمدن وتحليلها تحليلا عميقا، من أجل الخروج بالعبرة والدروس المستفادة منها، وتسليط الضوء على الجوهري لا على العرض، ومن أهم هذه الدروس ضرورة التيقظ والوعي حتى لا يتكرر السقوط؛ فقد كان سقوط العرب وطردهم من الأندلس بعد ثمانية قرون حافلة تربعوا خلالها على عرش الأندلس، ونشروا العلم والثقافة والحضارة في ربوع الدنيا، نتيجةً حتميةً للصراع، والتحزب، وحب الدنيا، والرغبة في الغنائم، وإيثار الأشخاص على الأوطان، وعدم تقديرهم للأمور تقديرا حقيقيا؛ فدخلوا في مواجهات مع بعضهم بعضا، وكادوا للبربر ولم يعدلوا معهم، فكانت النتيجة الحتمية هزائم وطردا وتشريدا وخسارة وضياعا للحلم. فالكتاب على هذا النحو ينظر إلى الماضي وعينه على الحاضر، فهو يرصد أحداث الماضي في سطور قليلة مقتصدة ثم يتبعها باستخلاص العبرة والدروس وتحليلها في صفحات طويلة عسى أن ينتبه المقصودون بهذا الكتاب!

كما يمتاز الكاتب في سرده للأحداث بحس فكاهي ساخر وروح مرحة، تحيل تلك الأحداث الدامية والمؤلمة إلى لوحات فنية جميلة وتخفف من حدة وقعها على النفس؛ فهو حين يتحدث عن مصائر بعض الحكام وما وصلوا إليه من ذل ومهانة في أخريات حياتهم يقدم ذلك في قالب ساخر، وكأنه بسخريته تلك يؤكد على استحقاقهم هذا الجزاء، وأن من لم يتعظ بسلفه اتعظ به خلفه، وهذا هو المعنى الكامن والمضمر الذي يرمي إليه الكاتب والذي يجب أن يستخلصه القارئ من وراء الحكاية، وإلا فسوف تفوته الحكمة والعبرة ولن يخرج من تلك الحكايات بفائدة، كما أن أحد مزايا السخرية أنها تكشف لنا عن دوافع البشر الحقيقية وراء ما يقومون به؛ فما فعله الوليد بن عبد الملك بقائده الفذ موسى بن نصير، كان ظاهره الغيرة على الإسلام واسترداد الأموال التي نهبها في أثناء الفتح العربي للأندلس، لكنه في الحقيقة يكشف عن الغيرة والحسد وتصفية الحسابات، وهو نفس ما حدث مع البحارة الإسبانيين الذين جابوا العالم واكتشفوا مساحات شاسعة لم تكن معروفة من قبل، فدفعوا حياتهم وحريتهم ثمنا لتفوقهم ونبوغهم وامتيازهم عن أقرانهم وكان جزاؤهم جزاء سنمار، وربما كان القالب الساخر هو الأقدر على كشف الطبيعة البشرية المعقدة، دون الدخول في تفاصيل وجدل وأخذ ورد، حيث يترك الكاتب مساحة للقارئ لمشاركته في اكتشاف الحقائق بنفسه.

وعلاوة على ذلك، فسوف يظفر قارئ هذا الكتاب بمعلومات لغوية وتاريخية وجيولوجية وفنية غزيرة، تدل على ثقافة الكاتب الواسعة وسعة اطلاعه وعمق رؤيته للأشياء، كما سيعثر في ثناياه على ما يؤكد على انتماء أمين الريحاني إلى بيئته وعروبته؛ فهو دائم الحنين للماضي، يتحدث بكل إعزاز وافتخار عن الآثار التي تركها العرب، ويتألم لمصير الطيبين والأخيار منهم، الذين راحوا ضحية للتآمر والغدر، ومما يعزز من قيمة هذا الكتاب أو هذه الشهادة أن الريحاني كان موضوعيا ومحايدا إلى حد كبير في سرده للأحداث والوقائع؛ فقد أنصف المسلمين، وأشاد بما قدموه لأوروبا من حضارة وعلم وفنون، كان لها أكبر الأثر في تقدمها ونهضتها، ولم يبهجه أو يسعده تحويل النصارى الجامع الكبير بقرطبة إلى كنيسة؛ إذ يعده من التحف المعمارية التي لا نظير لها في العالم التي كان يجب الحفاظ عليها، ويعتبر ما قام به النصارى تشويها وطمسا لمعالم أثر خالد ليس له نظير في الدنيا كلها، ويستشهد الريحاني في هذا السياق بما قاله الملك شارل الخامس حين علم بهذه المأساة: لو كنت أعلم بما عزموا على عمله لما أذنتُ لهم به؛ لأن ما بنوه – أي النصارى – موجود في كل مكان، أما ما هدموه فمنقطع النظير في العالم! ويبدي الريحاني سعادته البالغة بنيَّة الحكومة الإسبانية إعادة ترميم الآثار الإسلامية وبعثها وعرضها في المتاحف، ويرى أن ذلك من شأنه أن يرسي لمبدأ التعايش والتسامح بين الشعوب وطي صفحة الماضي.

الدكتور وجيه يعقوب صاحب مقدمة الكتاب

عدل الإسلام

ولا يغيب عن الريحاني التذكير بعدل العرب والمسلمين، وحسن معاملتهم لأصحاب الأرض من النصارى واليهود، وأن الثقافة العربية والعبرية لم تزدهر على هذا النحو سوى تحت حكم العرب، كما ازدهرت الحضارة ومظاهر العمران في كل ربوع البلاد، وحين تغلب ملك قشتالة وليون على العرب وظفر بهم، عادت مدينة طليطلة على يديه وسائر مدن الأندلس إلى القرون الوسطى، وصارت خرابا ومرتعا للجهل والتخلف والتعصب، وبعد أن كانت من أهم مدن إسبانيا أصبحت مدينة من الدرجة الرابعة أو الخامسة، وهذا في نظره راجع إلى حكم رجال الدين وتمتعهم بمزايا خارقة وانصرافهم عن دورهم في العلم والوعظ إلى امتلاك القصور والأموال والسلطة.

الوصفة الناجعة للخروج من الضعف والتخلف

ويختتم الريحاني كتابه بفصل جميل ومعبر عنوانه: نور الأندلس، يضع فيه خلاصة تجربته وفلسفته، ويقدم وصفة ناجعة للخروج من الضعف والتخلف الذي تعاني منه الدول العربية والإسلامية، وهو لا يعرضها على لسانه وإنما على لسان الشيخ الرئيس ابن سينا، الذي يظفر بلقائه بسبب مجاهداته وبحثه الدائم عن الحقيقة، وينتهز فرصة اللقاء بالشيخ ليوجه إليه عددا من الأسئلة الإشكالية التي ينشغل بها الناس في كل زمان، مثل سؤاله عن كيفية نهوض الأمم، وهل يكفي أن نتمسك بالدين للخروج من حالة الضعف والتردي؟ فيرشده ابن سينا إلى أن الأمة إذا أرادت التقدم والنهوض حقا، فعليها أن تأخذ بأسباب العلم وتخضع في ذلك لقانون النشوء والارتقاء والتطور، وهذا جوهر ما يؤمن به الكاتب ويدعو إليه في معظم كتاباته، ويذكر الشيخ في ختام لقائه بالكاتب قبل أن يغيب وجهة نظر جديرة بالمناقشة: وهي أن العرب قوم لا أحد ينكر نبوغهم، لكن هذا النبوغ قلما يثمر إلا إذا احتك بنبوغ غيره من الشعوب، كما أن نورهم شديد التوهج جميل الأشعة، لكنه سريع الانطفاء والذبول.

غزارة المادة العلمية

وبعد، فهذا كتاب على الرغم من صغر حجمه فإنه غزير في مادته العلمية، متنوع الموضوعات، يطرق العديد من القضايا المعاصرة الحية، ويحاول أن يقدم لها أجوبة واقعية مستندا إلى حقائق التاريخ، وقد كُتب بأسلوب أدبي مشوق وبحس فكاهي ساخر، والتزم كاتبه الحياد والموضوعية في سرده للأحداث، وهو لذلك يعد إضافة حقيقية لما كتب عن الحقبة الأندلسية، وأنصح القارئ – لكي يخرج من قراءة هذا السفر النفيس بأكبر فائدة – أن يكون مزودا بمعرفة مسبقة وكافية عن تاريخ الأندلس، وأن يتعامل مع النص بانفتاح ورحابة أفق، وأن يدرك المغزى الكامن من وراء استعادة هذا التاريخ الطويل الحافل؛ وهو ترسيخ قيم التعايش والتسامح، ونبذ التعصب والفرقة، والاعتبار بالغابرين فمن لم يعتبر بمن سبقه اعتبر به من لحقه!

هوامش وتعليقات:

* ولد أمين الريحاني بلبنان عام 1876م وتوفي عام 1940 م واشتهر برحلاته إلى الجزيرة العربية والغرب، وله عشرات الكتب والمقالات التي سجل فيها هذه الرحلات، ومنها هذا الكتاب المهم الذي نقدمه للقارئ: نور الأندلس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى