منوعات

مفهوم الإبداع.. وكيف يحدث؟

من آنٍ لآخر نسمع عن ابتكارات جديدة في كافة مجالات  الحياة، وهي الابتكارات التي تذكرنا بأن الإنسان لديه القدرة على الإبداع دائمًا، وتأتي هذه الابتكارات لتؤكد على حقيقة مهمة, وهى اننا, كائنات إبداعية بشكل إعجازي، دائمًا ما نحاول إيجاد الحلول للمشكلات، ونبتكر ونخترع ونبدع لتسهيل حياتنا اليومية، ولزيادة الرفاهية والراحة. ولكن هل حقًّا الإبداع موهبة حظي بها البعض دون غيرهم؟ وهل تعود للجينات؟ أم أنها أمر مكتسب ويعود للخبرة والتجربة؟ هل نحن جميعًا مبدعون أم بعض منا فقط؟ أسئلة كثيرة حول الابتكار وحياة البشر يجب عنها موقع (Ssasa Post) في التقرير التالي.

منذ بداية التاريخ القديم والبشر يبتكرون الوسائل التي تسهل حياتهم، ويبدعون في تطويرها وطرق التعامل معها، وتدل على ذلك لوحات الكهوف القديمة، إلى جانب القطع الأثرية العديدة للحضارات المختلفة في كل مكان على سطح الأرض، وصولًا لابتكار آلات البخار والماكينات، وبناء ناطحات السحاب وصعود الفضاء، وابتكارات الطب والدواء، ومن ثم ساهم الابتكار في ارتقاء الحضارة وتطور الجنس البشري عمومًا بمرور الوقت، ولكن ما الإبداع؟ وكيف يحدث في العقل البشري؟

توجد العديد من التعريفات للإبداع، ويمكن عرض أكثرها شمولًا على النحو الآتى، وفقًا لكتاب «الإبداع هو سيكولوجية الاكتشاف والاختراع»، فالابتكار مصدر مركزي للمعنى والوجود في حياتنا، إذ إن معظم الأشياء الممتعة والمهمة في الواقع هي نتائج الابتكار، وعندما نشارك في العملية الإبداعية نشعر بأننا نعيش أكثر وبشكل كامل.

ويرى بعض العلماء أن الابتكار يتضمن تحويل أفكارك وخيالك وأحلامك إلى حقيقة، فعندما تكون مبدعًا يمكنك رؤية الأنماط المخفية، وإنشاء روابط بين الأشياء التي لا ترتبط عادة، والتوصل إلى أفكار جديدة، بينما يصف البعض الإبداع بأنه إعادة دمج الماضي بالحاضر لإنتاج جديد، ومن ثم فهو في الحقيقة فن استنباط الجديد من القديم، وإعادة تجميع المعلومات التي نمتلكها بالفعل ولكن بتفاصيل أكثر ودقة عالية لنقدم ما هو جديد.

فالابتكار هو القدرة على صنع شيء جديد، ولا يرتبط الإبداع بالفن فقط، فيمكن أن يكون هدفه إيجاد حل جديد لمشكلة ما، أو طريقة للتعامل مع جهاز ما، أو تصميم أو شكل فني جديد، أو دواء جديد، وغيرها الكثير من الأشياء.

وتختلف تفاصيل تعريف الإبداع من عالم لآخر، ولكن الجميع اتفقوا على أن الإبداع هو إنتاج شيء ما جديد، ويرى العلماء أن عملية الإبداع ليست أمرًا سحريًّا، بل نشاطًا وسلوكًا عقليًّا يحدث في شبكات الأعصاب داخل المخ مما يؤدي إلى تحفيز الابتكار وإنتاج الأفكار.

ويحتوي المخ البشري على ثلاث شبكات عصبية، الأولى هي الشبكة الافتراضية وهي وضع الدماغ غير النشط، وذلك عندما نطلق العنان لأفكارنا فيما يشبه أحلام اليقظة، وغالبًا ما تكون هناك أفكار رائعة وساحرة أو سريالية، فتكمن مهمة تلك الشبكة في أن تتواصل مع أفكار وتنشئ روابط عفوية جديدة تؤدي لتخلق أفكار إبداعية.

والثانية هي الشبكة التنفيذية وهي مركز القرار والعاطفة، تنشط عند التركيز على شيء أو فكرة بعينها، وتبدأ في تحليل الموقف وإمكانية تنفيذ الأمر من عدمه، فهى المسئولة عن عملية التقييم وتنفيذ المهام وإنتاج الأفكار على أرض الواقع.

أما الثالثة فهي الشبكة البارزة وهي التي تحدد ما الأشياء التي تلاحظها وتركز عليها، وما الأشياء التي لا تلاحظها أبدًا ولا تُدخلها في دائرة اهتمامك، وتحدث عملية الابتكار في حالة كان التواصل بين الثلاث شبكات يجري بشكل جيد دون عوائق، هكذا يحدث الابتكار في العقل البشري كما يراه العلم، ولكن إذا كان الإبداع عملية عقلية، وعقول البشر متشابهة وواحدة، فهل يمكن أن نكون جميعًا مبدعين؟

أينشتاين مثلنا.. هل نحن جميعًا مبدعون؟

أوصى العالم الشهير ألبرت أينشتاين بشكل صارم، أن يجري حرق جثته بعد موته، ونثر الرماد بشكل سري، حتى لا يتحول مكان دفنه إلى مزار ومعبد للمهووسين، وبشكل دراماتيكي قرر الطبيب الذي شرَّح جثة أينشتاين سرقة دماغه ودراسته، في ظل سعي محموم من العلماء لفهم طبيعة العبقرية التي تقف خلف عقل أينشتاين وأعماله.

وقبل استخدام أجهزة الكمبيوتر وتكنولوجيا التصوير، لم يكن لدى هذا الطبيب سوى القليل من الخيارات وعلى رأسها دراسة الدماغ الفعلي، وبالفعل سافر دماغ أينشتاين إلى عدة بلدان للفحص والدراسة، ولكن كانت المفاجأة صادمة ومخيبة لمحبي الفانتازيا والتشويق، إذ أثبتت النتائج أن لا شيء مميز في عقل أينشتاين وأنه مثل أي عقل بشري آخر، أي مثلنا جميعًا، وهنا يظهر سؤال مثير: هل يمكن أن نكون جميعًا مبدعين؟

يعتقد العلماء أن الإبداع ليس أمرًا سحريًّا أو منحة إلهية يحظى بها البعض دون غيرهم، بل نحن جميعًا مبدعون، ويولد جميع الأطفال بعقل مبتكر ومبدع، لكننا نتعلم مع مرور الوقت النمطية والتقليدية ونبتعد عن الابتكار والتفكير خارج الصندوق، ولذلك فالجميع مبدع منذ البداية.

ويقسم العلماء الإبداع إلى نوعين: الأول هو الإبداع الكبير، وهو النوع الذي ينطبق على المشاهير من المبدعين مثل الفنانين والرياضيين والعلماء وغيرهم من النماذج غير الشائعة، أما النوع الثاني فهو الإبداع الصغير، وهو الابتكار اليومي الذي يمارسه كل البشر في حياتهم اليومية من أجل التغلب على صعاب الحياة والنجاح في الاستمرار.  

كما قسم عالم النفس الاجتماعي جراهام والاس في كتابه «فن الفكر» عملية الإبداع إلى أربع مراحل سلوكية ترتبط بالعقل وهي، أولًا مرحلة التحضير، وثانيًا مرحلة الحضانة، وثالثًا مرحلة الإضاءة، وأخيرًا مرحلة التحقق، وتدور تلك المراحل داخل الشبكات العصبية الثلاثة المذكورة سابقًا مما يؤدي إلى توليد فكرة إبداعية.

وهكذا يرى العلماء أن الإبداع أشبه بعضلة يمكن تمرينها وزيادة قوتها من خلال التمرين الرياضي المستمر والجيد، أي أن الابتكار ببساطة مجرد مهارة يمكن تعلمها وتعلم طريقة شحذها وصقلها، وهنا يظهر سؤال جديد على السطح، طالما أننا جميعًا مبدعون، وطالما أنه يمكن تعلم مهارة الإبداع وتمرينها لزيادتها بداخلنا، فكيف يمكن زيادة القدرة على الابتكار داخل عقولنا؟

كيف تمرن وتحفز الإبداع بداخلك؟

ابتكر البشر أفكارًا وطرقًا وأساليب عديدة لتحفيز وزيادة القدرة على الابتكار داخلهم، ولم تقتصر نظريات التمرين على العلماء والمتخصصين فقط، بل أنتجها الأشخاص العاديون والعمال، فخرجت العديد من الدراسات والكتب والأفكار المثيرة التي تناقش طرق وأساليب تطوير الفكر الإبداعي بداخلنا.

فعلى سبيل المثال، طور مجموعة من الرسامين السرياليين الفرنسيين بباريس في عشرينيات القرن الماضي، لعبة مضحكة ولكنها فعالة لتحفيز وتمرين القدرة على الابتكار داخلهم، سميت لعبة «الجثة الفاتنة»، وكانت تلعب كلما اجتمع الأصدقاء في شقة أحدهم في إحدى الحفلات، وفيها يلتقط أحدهم ورقة وقلمًا ويرسم شيئًا ما، ثم يثني الورقة ويخفي ما رسمه، مع وجود أحقية في إظهار قطعة صغيرة من الرسم، ثم يمرر الورقة للشخص المجاور يفعل المثل وهكذا حتى آخر شخص في اللعبة، بعدها يجري فتح الورقة لرؤية ما جرى رسمه وغالبًا ما يكون مصدر إلهام لأعمال جديدة لهم وأحيانًا كثيرة مادة للسخرية والضحك.

تمارين لتعزيز التفكير الإبداعي

وفي بريطانيا عام 1979، ابتكر الملحن والمنتج الموسيقي إينو براين إستراتيجيته الخاصة والمثيرة للجدل، لتحفيز وتمرين الإبداع بداخله وبداخل من حوله، وسميت بإستراتيجية «صندوق البطاقات والإستراتيجيات المنحرفة».

إذ عمل براين صندوقًا صغيرًا يحتوي على بعض البطاقات المدون عليها عبارات غريبة، كان يخرجها بين الحين والآخر أثناء حفلاته وعمله وتسجيل الأغاني، ليفاجئ بها من حوله وينفذوا ما تقوله البطاقات، أحد البطاقات كتب عليها (اقطعوا أي تواصل حيوي)، وبطاقة أخرى كتب عليه فقط (مياه).

وهناك بطاقة خاصة كتب عليها فلسفة إينو براين نفسه في الحياة وهي (بستنة لا هندسة)، تلك الفلسفة التي أنتجت مجموعة رائعة من الأغاني الأمريكية والتي كرمت في عدة مناسبات، وأثبتت بشكل قاطع أن الإبداع هو إعادة دمج الماضي بالحاضر لإنتاج ما هو جديد.

واقتبس إينو من قصيدة قديمة، كتبها شاعر ألماني سوداوي، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، للتعبير عن اللامعنى والسخافة، بسبب آثار الحرب فيه، فكانت كلماتها دون أي معنى، ثم ألف الألحان ملحن متأثر بالألحان الأفريقية القديمة، وفي النهاية قامت بغنائها فرقة بريطانية فكانت أغنية (أنا زيمبرا) ذات الإيقاع الأفريقي التي قدمتها فرقة “توكينج هيدز” البريطانية عام 1979، وحصد ألبوم «الخوف من الموسيقي» الذي نشرت بداخله أغنية أنا زيمبرا على جائزة أفضل ألبوم في السنة ذلك العام.

وفي الفترة الأخيرة عرضت منصة “نتفليكس” للترفيه حلقة بعنوان الإبداع ضمن سلسلة “explained” للعقل، وتضمنت الحلقة مثالًا جيدًا على أن الإبداع هو إعادة تشكيل للماضي، وأنه مهارة يمكن تدريبها بسهولة، ومن ثم يمكن القول إن هناك العديد من الممارسات والطرق التي تتحدث عنها الكتب والدراسات لتحسين القدرة على الابتكار بداخلنا، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر، التعلم من خلال التعاون واتباع الفضول والشغف والدوافع، ومن الممارسات الفكرية الجيدة لتدريب الإبداع، تجنب «الكمال» فمن المهم تذكير أنفسنا بأن الكمال غير موجود أبدًا، وأنه لا توجد إجابة واحدة بعينها صحيحة لأي مشكلة إبداعية.

ويوصي البعض، بمجموعة من الممارسات الجسدية مثل التأمل والمشي وعمل الرياضة، والاسترخاء والانعزال قليلًا وإرضاء أنفسنا والتفاعل مع الطبيعة بشكل أكبر، والابتعاد عن الضغط والجهد المرتبط بالحياة اليومية.

وهناك من يقوم بأفعال أكثر غرابة ويربطها بالإبداع، مثل إطالة زمن الاستحمام أو تكرار الكلام، أو ربما السكوت والنظر لأعلى أو أسفل، وهناك من يرى في النوم طريقة لتحفيز الابتكار مثل الرسام الكبير سلفادور دالي والمخترع توماس إديسون. 

وأخيرًا يمكن لأي شخص الوصول إلى الابتكار، فعلى الرغم من أن الأمر قد يعتمد على الجينات أحيانًا فإنه يعتمد في الأغلب على الخبرة والتنشئة والممارسات اليومية، فهي مهارة يمكن تعلمها وتمرينها، فقط تحتاج التمرينات والأساليب المناسبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى