نابغون

مسيرة علمية وعملية ذخراة لعميدة التطوير وتنمية المهارات وأستاذة الفيزياء النووية عبير الحربي

بدأ اهتمامها بالفيزياء النووية والمفاعلات عندما كانت في المرحلة الثانوية؛ فكانت مولعة حينئذ بفهم الطبيعة من حولها, لذا قررت أن تتخصص في الفيزياء في البكالوريوس، وتخرجت بتفوق، وتم تعيينها معيدة في نفس الكلية، وحصلت على درجة الماجستير في الفيزياء النووية التجريبية عام 2002، وفي عام 2007 أنجزت مشروع الدكتوراة.

وفي مرحلة لاحقة حظيت بثقة قيادة جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن التى قامت بتكليفها بمهام عمادة التطوير وتنمية المهارات في العام 2012، وما زلت بين هذا وذاك تسعى جاهدة لخدمة دينها ووطنها ما وسعنها الجهد إلى ذلك سبيلًا.

ترى أن الموهبة والإبداع هبة إلهية، ولكنها بدون الرعاية والاهتمام والتحفيز والدعم تضمحل وتخفت. والإبداع ليس قوة غامضة كما وصفتها، ولكنها تُحصَّل بالدراسة والتعلم، وتنمو متى وجدت الاهتمام والرعاية المناسبين.

هي العالمة السعودية الكبيرة الدكتورة “عبير بنت عبد الله الحربي”, عالمة الفيزياء النووية وصاحبة كتاب “النظائر المشعة.. تطبيقات في العلوم الطبية الحيوية”، وابتكار آلية جديدة لإنتاج نظير الثاليوم المشع باستخدام تقنيات نووية لعلاج الجلطات الدماغية وانسداد الشريان التاجي وسرطان الأطفال، والحائزة على عدد من الجوائز العلمية والمنح، منها “الباحث المتميز” عن إنشاء مركز أبحاث النظائر الطبية المشعة في مركز السيليكترون الأمريكية فكيف كانت تجربتها؟

ولدت عبير الحربي في إحدى حارات مدينة “أبها”، في منتصف التسعينيات الهجرية، في كنف أب مثقف وشاعر، هو الباحث والمؤرخ علي بن إبراهيم الحربي؛ مؤلف الموسوعة الجغرافية للبلاد العربية السعودية، وأم استثنائية هي مريم بنت عائل الحربي، والتي كرمت في عام 1417هـ بجائزة الأم المثالية، نظير رحلة كفاحها في قهر الأمية حتى حصولها على الدرجة الجامعية بامتياز وتربية أبناء متعلمين تعليمًا عاليًا.

نظير الثاليوم المشع

في عام 2007م، أنجزت العالمة السعودية رسالة الدكتوراة، والتي تمثلت في ابتكار آلية جديدة لإنتاج نظير الثاليوم المشع باستخدام تقنيات نووية لعلاج الجلطات الدماغية وانسداد الشريان التاجي وسرطان الأطفال؛ الأمر الذي فتح أمامها آفاقًا جديدة في هذا المجال، وقدمها للأوساط العلمية في العالم، حصلت بعدها على زمالة فولبرايت الأميركية وعملت لمدة عامين أستاذًا زائرًا في جامعة (Texas A&M) بالولايات المتحدة الأميركية، وساهمت في تأسيس برنامج إنتاج النظائر الطبية المشعة، وعملت أبحاثًا في إنتاج النظائر الثقيلة وفي التفاعلات النووية والفيزياء النووية الفلكية. وقد اكتشفت نواة الفلور-14، وكانت تجربة ثرية أضافت لها الكثير.

تقول الحربي “النجاح، ما لم يمر من خلال بوابة الكفاح والمعانة والتعثر أحياناً، أشك أنه قد يتحقق لأي إنسان، وأنا لست استثناءً؛ فهناك تحديات كثيرة مرت خلال مشوار الحياة أو المسيرة العلمية، تفرضها طبيعة الحياة والعلاقات الإنسانية وطبيعة المجتمع أحيانا، والذي نعلم جميعا أنه لعقود طويلة ظل حبيس النزعة الذكورية، والنظرة الخاصة تجاه المرأة، والتي ما زالت تسعى لتجاوزها رغم تذليل الكثير منها بفضل توجهات ودعم القيادة الرشيدة”.

لم تتوقف الحربي عند هذه العثرات أو المعوقات، رغم أنها كانت مؤلمة أحيانًا، بل كانت بالنسبة لها نقاط لشحذ الطاقة والهمة والانطلاق مجددًا، فقد وضعت أمام عينيها هدفًا وسعت لتحقيقه.

العلم في الصغر كالنقش على الحجر

وحول مدى مساهمة النشأة في تكوينها تقول الحربي “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”، ولا شك في أن البيت والمدرسة والمجتمع مثلث بناء الشخصية لكل منا، والذي يؤدي اختلال أي من أضلاعه إلى الإسهام في بناء أو هدم شخصية الطفل”.

من الله على عبير الحربي بالنشأة في كنف أسرة فيها (أم وأب) متعلمين وناجحين في حياتهما، وهما سليلا أسرة علم أيضًا، وكان لهما دور بارز لا يمكن إنكاره في دعمها وتحفيزها للتفوق العلمي.

تقول عبير الحربي “لا شك في أن الدعم المعنوي ونمط التربية الإنساني والأخلاقي أهم بكثير من المال أو حجم الملاءة المالية للأسرة؛ خاصة وأن جميع مراحل التعليم العام والعالي في المملكة مجانية لا تحمل الأسرة أعباء تتحملها أسر مماثلة في دول أخرى، التعليم فيها ليس مجانيًا”.

تستطرد الحربي “الوضع المالي المرتاح للأسرة يؤثر في حياة الأبناء كنمط حياة ومعيشة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون عاملًا مباشرًا في النبوغ والنجاح؛ فقد يكون عاملًا سلبيًا في بعض الحالات نتيجة الدلال المفرط وعدم الاهتمام بتنشئة الطفل، ولذلك فإن “العقل أهم من الجيب” عندما يتعلق الأمر بتربية وتعليم أطفالنا”.

اهتمامات متعددة

وبجانب اهتمام عبير الحربي بالفيزياء النووية والمفاعلات، لها اهتممات أخرى مثل مجالات التنمية البشرية، وتنمية المواهب، والتدريب والتطوير التنظيمي، واستشارات تطوير الأداء على مستوى الأفراد والمنظمات وتطوير القيادات. وقد حققت في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن قفزات نوعية في هذا المجال وسمعة دولية محترمة، قطفت نتاجها.

وتعمل الجامعة على برنامج تأهيل القيادات التنفيذية الرائدة بالتعاون مع كلية “إنسياد” المشهورة عالمياً بفرنسا، وهو من أهم البرامج الدولية عالميًا.

الحاضنات التقنية بالجامعات السعودية

تتمنى عبير الحربي توحيد آلية عمل الحاضنات التقنية السعودية، والاستفادة من المبادرات الساعية إلى تطويرها في المملكة، لتحقيق النمو والتطور للمستفيدين منها، وأن توحد جهود دعم المبتكرين ورواد الأعمال التقنية، كما تتمنى الحربي من سيدات ورجال الأعمال الاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية بالمشاركة في دعم هذه الحاضنات عبر تقديم الدعم المالي المباشر، أو إنشاء الأوقاف في الجامعات والمراكز البحثية؛ لأن ذلك سينعكس مباشرةً على التنمية المستدامة في المملكة اقتصاديًا واجتماعيًا.

تطلعات مستقبلية

وحول التطلعات المستقبلية للعالمة السعودية عبير الحربي فتقول “المملكة مقبلة على مرحلة نمو نوعي، كشفت عنه خطة التحول الوطني 2030 التي أعلن عنها صاحب السمو الملكي؛ الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع رئيس مجلس الاقتصاد والتنمية، وفي ظل توجه المملكة الطموح والذكي لبناء وتفعيل عدد 16 مفاعلًا نوويًا بنهاية العام 2030، سأكون أنا وغيري من الباحثين جزءًا من هذه المنظومة الوطنية”.

معوقات في مواجهة المخترعين

وحول أبرز المعوقات التي تواجه المخترعين والمبتكرين تقول عبير الحربي “المعوقات متنوعة، منها عدم الاهتمام والرعاية المناسبين من الأسرة ومن المدرسة، ومن المراكز المتخصصة أحيانًا. وللأسف الشديد، تبقى كثير من البحوث والدراسات حبيسة الأدراج وأرفف مكتبات الجامعات يعلوها الغبار، وفي هذا إهدار كبير للمال العام، عندما لا تنعكس هذه البحوث والابتكارات على التنمية الوطنية اجتماعيًا واقتصاديًا، بل وحتى سياسيًا وأمنيًا، كما أن دور القطاع الخاص والشركات يكاد يكون غائبًا عن استثمار هذه المنجزات ودعمها وإنتاجها وتحويلها إلى واقع ملموس وتسويقها، كما تفعل الشركات الكبرى في العالم”.

تستطرد الحربي “نحن بحاجة ماسة إلى استلهام النماذج الرائدة في العالم واستنساخها، إذا ما أردنا ان ندخل سباق التطور والنمو العالمي، وأن يكون لنا قصب السبق فيه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى