نابغون

سامي البوفي يتوج بجائزة أفضل باحث ومخترع تونسي

منحت مؤخرًا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في تونس البروفيسور سامي البوفي الأستاذ بمخبر علوم المواد والبيئة في كلية العلوم بصفاقس جائزة أحسن باحث ومخترع تونسي لعام 2020. وذلك في شهر 14 يوليو الماضي. وتأتي هذه الجائزة الكبرى, تتويجا لمسيرة علمية زاخرة بالأبحاث في مجال كيمياء المواد.

تميز البوفي بأبحاثه وابتكاراته لحل إحدى أهم المشكلات البيئية، حيث توجه العلماء منذ عقود للاهتمام بالبلاستيك الحيوي الصديق للبيئة بالنظر إلى المخاطر الكبيرة التي يشكلها البلاستيك العادي والآثار الكبيرة والرهيبة التي يحدثها على المحيط، إذ إن معظم المواد البلاستيكية لا تتحلل بيولوجيا وتبقى في البيئة لفترات طويلة.

وفي هذا السياق، يؤكد سامي البوفي -في حواره مع موقع الجزيرة نت- أن حوالي 20% من أنواع البلاستيك تنتشر في المحيطات، مبينا أن تفاعلها الكيميائي مع العوامل الطبيعية -خاصة الشمس- يؤدي إلى تجزئة تدريجية، لينتهي بها الأمر للتحلل إلى جزيئات دقيقة بحجم يتراوح بين 100 ميكرومتر و0.1 ميكرومتر (ما تسمى حاليا اللدائن الدقيقة)، والتي تستهلكها الأسماك وبالتالي تدخل في السلسلة الغذائية.

أكثر استدامة

ويضيف البوفي أنه لم يُعرف إلى اليوم حجم تأثيرات هذه اللدائن الدقيقة على الصحة، نظرا لأن اكتشافها حديث (منذ أقل من 5 سنوات)، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الاستعاضة عن البلاستيك -ولا سيما المستخدم في التغليف (والذي يمثل أكثر من 40% من البلاستيك المنتج في العالم)- ببلاستيك قابل للتحلل بيولوجيا.

يعتبر البروفيسور البوفي أن أبحاث البوليمرات الحيوية تهدف إلى جعل كوكب الأرض أكثر استدامة وخضرة، مع تقليص المخاطر على الأرض، فقد أصبح البوليمر الحيوي -خصوصا في مجالات الاستعمال قصيرة المدى، والتغليف، وفي ألياف النسيج- بديلا مهما للبلاستيك التقليدي المشتق من البترول.

فإضافة إلى المخاطر الحالية لا يمكن توقع المخاطر بعيدة المدى للبلاستيك على الوسط الطبيعي، خصوصا مع اكتشاف المواد البلاستيكية الدقيقة التي تلوث حاليا جميع المحيطات والأنهار ومستودعات المياه الجوفية السطحية والحقول الزراعية والمدن وما إلى ذلك.

ويضيف البوفي أن الوعي لا يزال يتشكل في العديد من دول العالم للتخلي عن البلاستيك العادي، ولا سيما في مجالات التغليف والمواد أحادية الاستعمال والاستعاضة عنه بالبلاستيك الحيوي الصديق للبيئة، غير أن مستوى انتشار هذا النوع من البلاستيك القابل للتحلل البيولوجي لا يزال محدودا، إذ لا يتجاوز 2% من مجمل المواد البلاستيكية المنتجة في العالم.

ويوضح البوفي أن هذا المستوى المحدود من الانتشار للبلاستيك الصديق للبيئة لا يمنع من التأكيد أن الاتجاه يتزايد نحو الاعتماد عليه، موضحا أن المسألة تتعلق أيضا بالتشريعات، فكلما زاد منع استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام في التعبئة والتغليف زادت هذه النسبة المئوية، مضيفا أنه إذا تمكنا من الوصول إلى مستوى انتشار لهذا البلاستيك الحيوي بنسبة 10% فنحن على يقين بأننا سنقلل بشكل كبير توليد اللدائن الدقيقة.

والبوليمرات الحيوية هي جزيئات كبيرة طبيعية يمكن استخدامها لتصنيع منتجات صديقة للبيئة، فهي متوافقة حيويا للغاية، وحميدة بيئيا، والخواص الفيزيائية والميكانيكية للجزيئات الحيوية لا ترقى إلى المستوى المطلوب للتطبيقات الصناعية المباشرة، ولا سيما في مجال التعبئة والتغليف وتركيبات المنتجات.

لذلك، وجب أن تخضع -وفق البوفي- لدرجة معينة من التعديلات أو يتم ابتكار طرق جديدة لصياغة البوليمرات الحيوية ذات القيمة المضافة الصناعية، وفي الأغلب يتم دمج وحدات بوليمرية إضافية أثناء عملية التصنيع.

ونظرا للطلبات السكانية العالمية والتأثيرات البيئية الضارة للبتروكيميائيات اكتسبت البوليمرات الحيوية اهتماما كبيرا في كل صناعة بديلة، ولكنها أكثر أهمية في الصناعات الغذائية والتغليف وتصنيع الأدوية، وبشكل عام تعتبر آمنة.

ويوضح البوفي أن العلماء والباحثين حريصون في عملية إنتاج المواد البلاستيكية الحيوية على جعل مكوناتها ذات مصادر طبيعية غير مضرة بالبيئة، وقابلة للتحلل بشكل لا يضر بالمحيط والكائنات الحية، مضيفا أن الاشتغال على تصنيع المواد البلاستيكية القابلة للتحلل حيويا يجذب اليوم الكثير من الاهتمام من وجهة نظر أكاديمية وصناعية.

يتمثل التحدي الحالي -وفق البوفي- في القدرة على إنتاج مواد بلاستيكية قابلة للتحلل بخصائص ميكانيكية منافسة لتلك الخاصة بالبلاستيك البترولي، ولكن ليس باستخدام المنتجات الغذائية مثل الذرة وغيرها، وإنما باستخدام النفايات الزراعية والغذائية، وهذا هو التحدي الأكثر أهمية حاليا.

وكل بلد لديه موارد نباتية ونفايات غنية بالمواد العضوية النظيفة، والرهان هو أن تكون قادرا على استخدام جزء من هذه النفايات لإنتاج مواد بلاستيكية قابلة للتحلل.

ويوضح البوفي أنه في تونس والدول العربية بشكل عام لدينا مخلفات النخيل التي تعد موردا نباتيا مهما يمكن استغلاله لتطوير مواد بلاستيكية قابلة للتحلل، فهي تعد موردا مهما للغاية ولكنه غير مثمّن بالقدر الكافي، فعادة ما يتم حرقه أو إتلافه.

ويضيف “اشتغلنا على هذا الموضوع لأكثر من 10 سنوات، وقد استخدمنا هذه النفايات لتصنيع المركبات والمواد النانوية والألياف النانوية التي عند دمجها مع البلاستيك القابل للتحلل الحيوي تعزز هذه الخصائص الميكانيكية“.

ويضيف أن “موضوع هذا البحث مبتكر للغاية على مستوى العالم، وقد اكتسبنا خبرة كبيرة في هذا المجال بفضل احتكاكنا وعملنا المشترك مع جامعات ومختبرات أوروبية مشهورة في عدة دول فرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألمانيا.

البلاستيك الحيوي المصنوع من البوليمر الحيوي متوفر صناعيا، ولكنه أكثر تكلفة في الإنتاج والتسويق من البلاستيك العادي، ورغم ذلك فإن أغلبية الدول الأوروبية -وفق البروفيسور سامي البوفي- تعتمد الأكياس المتحللة، كما أن قرابة 33 دولة أفريقية تمنع الأكياس البلاستيكية العادية.

ويوضح أن نمو السوق والإقبال على الطلب يؤثران حتما على تطوير كل من الأبحاث والتصنيع في مجال البوليمرات الحيوية والبلاستيك الصديق للبيئة، غير أنه يقر بأن هذا التوجه في تونس لا يزال متعثرا، والخطوات نحو تحقيقه لا تزال ضعيفة.

وحول تكلفة إنتاج البلاستيك الحيوي مقارنة بالبلاستيك العادي، يوضح البوفي أن سعره يتراوح حاليا بين الضعفين و3 أضعاف تكلفة البلاستيك التقليدي، لكنه في انخفاض مستمر.

وأضاف أنه عندما نتحدث عن البلاستيك القابل للتحلل الحيوي يجب أن نضع التكلفة في المرتبة الثانية، لأنه لا يمكن مقارنة البلاستيك المشتق من البترول والذي تم تطويره لأكثر من 60 عاما مع البلاستيك القابل للتحلل الحيوي الذي لا يتعدى تطوره الصناعي 10 سنوات.

ويؤكد البوفي على أهمية وضع التشريعات الملائمة لدعم تنافسية المواد البلاستيكية الصديقة للبيئة، معتبرا أن فرض ضرائب على المواد البلاستيكية التقليدية من شأنه أن يحفز على التوجه إلى الصناعات النظيفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى