العالم يقرأ

تطور الفكر العلمي عند المسلمين

ليس هناك شك أن الأمة الإسلامية أثرت الحضارة الإنسانيَّة بما قدمته من إنجازات واكتشافات مدهشة في مختلف مجالات العلوم, وقد برع علماء الأمة في العلوم الطبيعيَّة، من أمثال: ابن سينا، ابن الهيثم، جابر بن حيان، ابن النفيس، الرازي، الخوارزمي.. وغيرهم، حتى قال المنصف من مؤرخي الغرب، أمثال كاربنسكي: إن الخدمات التي أدَّاها العرب للعلوم غير مقدَّرة حق قدرها من المؤرخين.

وحول هذه الحقبة الثرية جاء كتاب (تطوُّر الفكر العلمي عند المسلمين) للدكتور محمد الصادق عفيفي, في مقدمة وستة أبواب تقدم للقارئ ملامح تطور الفكر عند المسلمين، ويجمع الكتاب بين السياق الموضوعي والتسلسل التاريخي.. وإلى جانب العرض والتحليل، يعرض الكتاب لقيمة حضارتنا، بالقياس إلى سواها من معالم الفكر الحديث.

يقول المؤلف في تقديمه لهذا الكتاب الهام: “الفت هذا الكتاب, لطلاب المعرفة, عن حضارة المسلمين, وتراثهم العلمي, وسوف يجد الطالب والاستاذ الجامعي, والمفكر المسلم فيه ما يعينه على معرفة تراث أجداده, وأن يقبس منه ما يبعث في نفسه جوانب العزة والسؤدد, فماضينا هو القوة الدافعة التي تمكننا من رسم مستقبلنا على أسس علمية وطيدة الأركان, والأمم التى تملك الماضي, وتعرف ماهيته, وتستطيع أن تستخلص منه أسباب رقيها, وأن تتلافى منه أسباب انحلالها – تلك هي الأمم الحية التى كتب لها الخلود”.

يستطرد المؤلف,” هذا تاريخ الأمة المسلمة في كل جوانبه العلمية: في الفيزياء في الرياضيات في الطب.. قد قدمته لنا أقلام المستشرقين, انه تاريخنا الحقيقي, ونحن أولى به, ان هؤلاء المستشرقين مهما اتصفوا بالإنصاف والنزاهة في تحرى الحقائق, وأمانة العرض,  فلن يسلموا من الميل والهوى, ولذلك يجب ان نعاود النظر مثنى وثلاث في تراثنا العلمي, وان نقدمه لأبنائنا خالصاً سائغاً”.

التيار العلمي والعقلي عند المسلمين

يبدأ الدكتور محمد الصادق عفيفي كتابه ببيان أن التيار العلمي بدأ مع سيدنا آدم، حينما هبط من الجنة إلى الأرض ليعمرَها، وكان سيدنا آدم مزوَّدًا بجميع أنواع العلوم، وأخذ أبناء آدم العلم.. إما بالإلهام أو التجربة أو الحيلة، ويستدلُّ الكاتب على ذلك بما وقع مع أبناء سيدنا آدم: قابيل وهابيل، ويشير الكاتب إلى ما ذهب إليه مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون، إلى أن بداية العلم كانت حين عمد الناس إلى حلّ معضلات الحياة، في محاولاتهم الأولى، وإن كانت حلولهم وقتيَّة، ومع مرور الوقت خضعت هذه الوسائل للتقويم والتبرير والتبسيط والترابط والتكامل.. وهكذا بدأت تنشأ مادة العلم، كما يذهب البعض إلى أن العصر العباسي هو بداية عصر النهضة العلميَّة عند العرب والمسلمين، بينما يرى الكاتب أن البداية كانت مع بدايات الوحي الإلهي.

ثم يسهبُ الكاتب في بيان أن العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن المعرفة شرط من شروط الإيمان، كما أن للعلماء منزلةً مميَّزة وخاصَّة، ومن ثم فإن الإسلام يدعو إلى العلم الذي يحفظ البشريَّة، والأحاديث النبوية التي تحضُّ على العلم كثيرة ومتعددة وشهيرة.

وينتقل الكاتب ليبيِّن أنه في العصر الأموي بدت الدعوة إلى تحصيل العلم، والسعي للتحصل عليه، جادَّة.. حتى أن خالد بن يزيد بن معاوية يبعث برسالة إلى أبيه بعد مهمَّة علميَّة، لتحصيل مادة الكيمياء يقول فيها:

وبلغ يزيدًا حين يتلو رسالتي

وقل خالدًا قد نال ما كان راجيًا

ألا قد ملكت الشمس والبدر عنوةً

وحزتهما من بعد طول عنائيا

وبعد ذلك، في العصر العباسي، فتح الباب على مصراعيه، فوصل التطوُّر إلى قمته، بالقياس إلى العصور السابقة، في الوقت الذي كان فيه الشعراء والأدباء والفقهاء، يقومون بدورهم في النهضة الروحية والنفسية والأخلاقية.

المسلمون وتطور العلوم

برع علماء من المسلمين في العلوم الطبيعيَّة، من أمثال: ابن سينا، ابن الهيثم، جابر بن حيان، ابن النفيس، الرازي، الخوارزمي.. وغيرهم، في علوم: الكيمياء، الفلك، الضوء، الطب.. وغير ذلك، حتى قال المنصف من مؤرخي الغرب، أمثال كاربنسكي: إن الخدمات التي أدَّاها العرب للعلوم غير مقدَّرة حق قدرها من المؤرخين.

وهكذا فإن البحوث الحديثة دلَّت على عظم ديننا، وعلى أن العرب لم يقتصروا على نقل علوم الإغريق، بل زادوا عليها، وقاموا بإضافات مهمَّة في ميادين مختلفة، وإن أشاع البعض أن اللغة العربيَّة لا تصلح كلغة للعلم، تأكَّد للجميع أنها كانت لغة العلم طوال فترة القرون الوسطى (بل اللغة العالميَّة) في المعاهد الإسلامية: جامعة القرويين بالمغرب، جامعة قرطبة بالأندلس، وبالرم بصقلية. وكلها وغيرها كانت محجة طلاب العلم، ومنهم (البابا سلفستر الثاني) الذي درس في الأندلس، ودرس الأرقام العربيَّة، ثم نقلها إلى أقطار أوروبا، وهي التي ما زالت تستخدم حتى الآن، كما كانت علاقة العرب بالترجمة نشطة وفاعلة، تلك التي تعني التواصل بمن سبق والتمهيد للجديد، فقد كان العرب في جنوب الجزيرة العربية وشمالها قبل الإسلام دولًا ذات شأن، ونقلت عن الفارسية والرومانية والسريانية والحبشية والقبطية، بفضل رحلات العرب داخل الجزيرة وخارجها.

ويؤكِّد الدكتور عفيفي أنه لعلَّ نشاط الترجمة بعد الإسلام يعود إلى: طلب الحكمة التي أمر بها القرآن، كثرة احتكاك العرب مع غيرهم من أصحاب اللغات الأخرى، اتساع الدولة الإسلاميَّة، تسابق الخلفاء على رعاية العلم والعلماء، فمنذ أبي جعفر المنصور والرشيد والمأمون أصبح النقل والترجمة من سياسة الدولة، وكانت أول ترجمة ذات طابع علمي في العصر الأموي، كانت على يد خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى 704م، وقد عرف العرب الترجمة الحرفيَّة، والتي يُعاب عليها أنها تبدو بدون سياق يربط الموضوع، نظرًا للترجمة كلمة بكلمة وحرفًا حرفًا، والترجمة المعنوية التي تعتمد على المعنى العام والصياغة في سياق مشترك.

ونتيجة للترجمة التي نشطت أفق الثقافة العربية، فقد نشطت علوم وفنون وفلسفات، وبلغت الترجمة ذروتها مع العصر العباسي، حيث كانت حضارة العرب قد تفتَّحت وانتشرت، مما أنتج ثراء القاموس العربي بما أدخل عليه من مفردات جديدة.

وبالترجمة حمل العرب عبءَ الحفاظ على التراث الإنساني لمن سبقوهم، ثم أضافوا إليه الكثير، وأشهر المترجمين: حنين بن إسحاق (194- 260ه)، قسطا لوقا البعلبكي (205- 300ه)، أبو زكريا يحيى بن عدي (364-…).

ثم تحدث الكاتب عن دور المسلمين في تطور العلوم الرياضيَّة والفلكيَّة والطبيعيَّة والطب والأحياء والجغرافيا والتاريخ، وما قدَّموه من إسهامات وما طوَّروه من آلات جعلت هذه العلوم تساهم مساهمة حقيقيَّة في تطوُّر هذه العلوم وحل مشكلات الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى