منوعات

بلقيس إدهي.. أم باكستان التي رحلت

عن عمر يناهز الرابعة والسبعين رحلت يوم الجمعة 14 رمضان 1443 هـ الموافق 15 أبريل 2022 م السيدة بلقيس بانو إدهي Bilquis Bano Edhi أحد أكثر فاعلي الخير في باكستان نشاطا، والرئيس المشارك لمؤسسة إدهي، وهي من أكبر المؤسسات الخيرية التي تخصصت بشكل أساسي في الخدمات الطبية الإسعافية فضلا عن الخدمات الاجتماعية.

ولدت بلقيس في جوجارات (بالهند حاليا) عام 1947، ومع التقسيم انتقلت مع الأسرة إلى كراتشي بباكستان، وعندما كانت فتاة صغيرة انضمت إلى دورة تدريبية للممرضات في مركز إدهي، وفي وقت لاحق تقدم لها عبد الستار إدهي وتزوجا في أبريل 1966.

ومنذ ذلك الحين، عملت مع زوجها في مؤسسة إدهي Edhi Foundation – وهي المؤسسة التي بدأها عبد الستار إدهي بهدف تقديم المساعدة للفقراء في باكستان، وأصبحت المؤسسة هي منظمة الإغاثة الرئيسية في البلاد، والتي تشرف على أكبر شبكة أهلية لخدمات الإسعاف في باكستان والعالم، فضلا عن المستشفيات وملاجئ المشردين ودور الأيتام ومراكز إعادة التأهيل بالإضافة إلى خدمات دفن الجثث التي لا يطالب بها أحد، وملاجئ الحيوانات وبنوك الدم.

وبعد وفاة زوجها عام 2016 تولت بلقيس إدارة المؤسسة مع أبنائها، واليوم، وإضافة إلى الخدمات المقدمة في باكستان، تعد مؤسسة إدهي موردا رئيسيا لمساعدة ضحايا الكوارث على المستوى الدولي بفروعها في عدد من بلدان العالم.

في البداية، كانت ممتلكات عبد الستار إدهي وقت زواجه لا تزيد عن سيارة قديمة محطمة ومستوصف صغير، كان به منزل للأمومة في الطابق الأول به 6-7 أسرة، وغرفة صغيرة في الطابق الأرضي كانت بمثابة مكتب وغرفة مماثلة في الطابق الأول. ولم يكن هناك الكثير غير ذلك، ولكن حتى في تلك الأيام التي كان لدى الزوجين موارد محدودة للغاية، اعتاد الناس ترك أطفالهم معهم وكان بلقيس إدهي هي من تعتني بهم.

وفي ظل حياة زوجها قادت بلقيس قسم رعاية السيدات، والأطفال في جميع أنحاء باكستان، وفي إطار هذه القيادة تولت تأسيس منازل إدهي Edhi Homes وهي مراكز لإيواء الرضع والأطفال المشردين كما نشرت في أنحاء باكستان خارج تلك الدور الأسرة الحديدية ليقوم من يرغب في التخلص من أطفاله فيها وهو ما أطلق عليه مشروع المهد أو الجهولا (باللغة الأردية) jhoola’ (cradle) project وذلك منعا لعادة وأد الأطفال، حيث كتبت على تلك الأسرة لافتات تقول للآباء: “لا تقتل”، “اترك الطفل حياً في المهد، لا تقتل الطفل.. اسمح للطفل بالعيش”.

وقد أثار هذا المشروع الكثير من الاعتراضات التي وصلت إلى حد التهديد بالقتل، وذلك على الرغم من أنها كانت تقوم بعمل إنساني يستهدف إنقاذ الأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم في جرائر أوليائهم، والتي قالت عنهم عام 2009 لمراسلة شبكة إن بي آر الإخبارية: “معظم الأطفال الذين تُركوا في المهد عند عتبات منازلنا هم من الفتيات، وأحيانا كان يتم إلقاء الأطفال في أكوام القمامة وتكميم أفواههم أو يوضعون ملفوفين في أكياس بلاستيكية”.

وللإشراف على تلك الأنشطة كان زوجها عبد الستار إدهي قد أسس مؤسسة شقيقة حملت اسم زوجته “مؤسسة بلقيس إدهي Bilquis Edhi Foundation“، وفي إطار قيادتها لتلك المؤسسة كانت تزور بانتظام منازل إدهي (دور الإيواء) – التي قدمت خدماتها لعشرات الآلاف من الأطفال – في جميع أنحاء باكستان لمراقبة أنشطتها وتقديم الاقتراحات والتوصيات حول ما ينبغي القيام به، كما أنها لعبت دورا أساسيا في جعل منازل إدهي “مراكز التميز” – بالمعنى الحقيقي للكلمة.

ونظرا لهذا التميز تلقت المؤسسات آلاف الطلبات من راغبي تبني الأطفال، ومن ثم وضعت بلقيس للتبني معايير صارمة، أولها أن يجتاز الأزواج الذين يرغبون في تبني طفل المقابلة التي كانت تجريها بلقيس معهم، وثانيها أن يكون الأزواج لم يرزقوا بأطفال حتى بعد 10-12 عاما من الزواج، كما يجب أن يكون راتب الأب المرشح معقولا، وألا يعاني الأب المرشح من مشاكل متعلقة بتعاطي الكحول أو المخدرات، كما يجب أن يكون عمر الأم المرشحة أقل من 50 عاما، وأن يمتلك الزوجان منزلا، حيث لا تمنح مؤسستها الأطفال للأزواج الذين يواصلون تغيير منزلهم والتنقل من مكان إلى آخر. وفي النهاية فإن لدى المؤسسة ميثاق يطلب من الوالدين التوقيع عليه ينص صراحة أنه في حالة انفصال الوالدين، يقوم المركز باستعادة الطفل أو السماح للطفل بالبقاء مع الأم.

وفي المقابل اختارت مؤسسة إدهي المداومة على رعاية الأطفال المعوقين جسديا أو عقليا، فلديهم قسم منفصل لهم في المؤسسة، حيث يقومون بتنظيفهم وإطعامهم واللعب معهم وسائر ما تتطلبه رعايتهم، ويبقى هؤلاء الأطفال معهم لبقية حياتهم. وبصرف النظر عن الأطفال المعوقين، فإن الأطفال الآخرين الذين لا يتم تبنيهم لا يمثلون أي مشكلة على الإطلاق.

ونتيجة لدورها الرائد وعملها الخيري والإنساني على مدار عدة عقود، لقبت بلقيس إدهي باسم أم باكستان Mother of Pakistan، كما حصلت على جائزة “هلال الامتياز” المرموقة وهي ثالث أعلى وسام مدني يمنح في باكستان، كما حصلت مع زوجها على جائزة رامون ماجسايساي للخدمة العامة عام 1986، وهي الجائزة التي تلقب بجائزة نوبل الآسيوية، وهي أيضا حاصلة على “جائزة لينين للسلام”.

لم تحصل بلقيس على لقبها “أم باكستان” لكونها زوجة رئيس أو ملك، ولكنها حصلت عليها كشريكة أساسية في عمل خيري اجتماعي وإغاثي رائد انتقل من المحلية إلى العالمية، وكإنسانة حافظت هي وزوجها وأسرتها على تواضع معيشتهم رغم انفتاح الدنيا على مؤسستهم العالمية التي صار لها فروع في عدد من أهم بلدان العالم المتقدم.

د. مجدي سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى