ريادة

السر وراء تحقيق “قفزة مهنية” تحسن من جودة حياتنا

“عزيزي فلان، كان أداؤك جيدًا هذا العام، أحرزت بعض الإنجازات التي تشكر عليها، لكن نحتاج أن نركز على نقاط ضعفك، حتى نستطيع أن نرفع أدائك من جيد إلى ممتاز في العام القادم”.

معظمنا كان في موقف هذا الفلان الذي خاض نقاشات غير مريحة مع مديره في جلسة تقييم الأداء السنوية، وبغض النظر عما إذا خرجنا سعداء أو محبطين من هذه الجلسة، ففي كل الحالات سنخرج بقائمة من نقاط الضعف المهنية التي يفترض أن نصب تركيزنا وجهودنا في تحسينها، خاصة إن كانت مرتبطة بتحقيق وعد المدير لنا بـ “بونص” أعلى أو ترقية لطالما حلمنا بها.

نشأت طيلة حياتي على فكرة أن الطريقة المثلى للتنمية الذاتية هي أن تكتشف مواضع الخلل في أدائك وتعالجها، حتى تعرفت مؤخرًا على فلسفة عالم النفس «دون كليفتون» الذي طرح في الخمسينيات منظورًا جديدًا يدفع إلى الاستثمار في تطوير مواطن القوة بدلاً من تشتيت الجهد والوقت في تطوير نقاط الضعف، فمن وجهة نظره كل إنسان يمتلك مواهب فطرية، إذا استطاع اكتشافها وتوظيفها وتطويرها سيحولها إلى نقاط قوة، وعندئذ يكون المردود الإيجابي على مستوى حياته المهنية والشخصية أضعاف مضاعفة مقارنة بما إذا استثمر ذات الجهد والوقت في تحسين نقاط ضعفه.

إحدى التجارب المحورية التي قادت «كليفتون» وفريقه إلى التنبه إلى هذا النمط هي دراسة أجروها على طلاب مدرسة للتعرف على مستوى القراءة السريعة لديهم، حيث حسب الباحثون عدد الكلمات في الدقيقة عند جميع الطلاب، فوجدوا فريقين: الأول كان متوسط عدد كلماتهم ٩٠ كلمة في الدقيقة، فصُنف مستواهم بالعادي، أما الفريق الآخر كانوا يقرأون ٣٥٠ كلمة في الدقيقة، فصُنفوا بالموهوبين، بعدها خضع الفريقان لتدريب موحد على استراتيجيات القراءة السريعة، فكانت نسبة التحسن عند الفريق ذو المستوى العادي ٦٦٪، لكن المفاجأة كانت أن مستوى الموهوبين تحسن بنسبة تتجاوز ٨٠٠٪!

كان علماء النفس قبل «كليفتون» يركزون على دراسة ما هو “مشكل” في الإنسان ومحاولة إصلاحه، إلا أن «كليفتون» طرح نهجًا آخر يركز على البحث على ما هو “صحيح” وتعزيزه، ومن خلال ترأسه لمجلس إدارة «غالوب» استطاع أن يكرس جهود بحثية ضخمة وقاعدة بيانات هائلة لتطوير أدوات تساعد الأفراد والمنظمات على تبني أسلوب عمل متمحور حول تطوير نقاط القوة لا على تحسين نقاط الضعف.

لكن كيف نطور نقاط القوة هذه؟ وهل هي مواهب فطرية أم مهارات مكتسبة؟

أول خطوة هي أن نفهم الفرق بين الموهبة، المعرفة، المهارات.

الموهبة: أنماط من الأفكار أو المشاعر أو السلوك تتكرر عندك بشكل طبيعي وتلقائي، هذه المواهب تنبع من جوهر شخصية الإنسان وعلى الأغلب لا تتغير مع الزمن

المعرفة: معرفتك وفهمك المتراكم لحقائق ومبادئ العلوم/المجالات المختلفة من خلال التعليم أو الخبرة

المهارات: قدرتك على أداء الخطوات الأساسية لمهام محددة، مكتسبة من خلال التدريب أو الممارسة

الموهبة + المعرفة + المهارات = نقاط قوتك

هذه المعادلة تصب مباشرة في بناء رأس مال مهني (Career Capital)، الذي تحدثت عنه في تدوينة صاحب الصنعة  vs صاحب الشغف. لكن الجدير بالذكر هنا أن الموهبة هي السر الذي يضيف قفزة في الأداء المهني، أي إن كنت تمتلك المعرفة والمهارة في أمر ما، قد تصل لأداء جيد جيدًا، لكنك لن تصل إلى أداء استثنائي إلا إن كنت تمتلك الموهبة فيه. مثلاً البائع حتى وإن تعلم خصائص المنتجات التي يبيعها (معرفة)، وتدرب على طرق بيعها للعملاء (مهارات)، لن يحقق نتائج تحاكي نتائج البائع الذي يمتلك أيضًا مقدرة فطرية وفطنة في إقناع الناس وفهم شخصياتهم المتمايزة بحيث يعرض عليهم المنتج بالطريقة التي تشد انتباه كل واحد منهم (موهبة). 

لا بد أنك تتساءل الآن، كيف أعرف مواهبي الفطرية؟

حسنًا هناك سبل عديدة أولها البحث والقراءة في هذا الجانب، لكن إن استطعت تلخيص ٣ نقاط عملية فستكون:

مراقبة الذات: لاحظ نفسك/أدائك، ماهي الأمور أو المهام التي تفعلها بكل سلاسة وتلقائية؟ تشعر أنك متمكن منها؟ دوّنها.

احصل على تغذية راجعة من الآخرين: اسأل مديرك، زملائك، أصدقائك، أهلك، ماهي نقاط قوتك أو المواهب التي تمتلكها وتميزك من وجهة نظرهم؟ أيضًا فكر في كل الإطراء الذي جاءك بناء على عمل قمت به، ماهي النقاط التي أشاد بها هذا الإطراء؟ ثم قارن بين نتاج التغذية الراجعة من الآخرين ونتاج مراقبتك لذاتك، إلى أي مدى يوجد تكرار في الأنماط؟

استعن بأدوات منهجية: شخصيًا أجريت اختبار كليفتون لنقاط القوة، وكانت تجربة نوعية بالفعل، الاختبار مبني على لغة طورها «كليفتون» وفريقه، حيث توضح أكثر الثيمات تكررا في المواهب الفطرية التي يمتلكها الناس، هنا فيديو مختصر عن الاختبار، بالإضافة إلى ذلك حصلت على جلسات إرشادية لتعلم كيفية توظيف هذه المواهب من خلال مركز توازن (هذا ليس إعلانا مدفوعًا إنما أروج لما أؤمن بفائدته). الأمر الآخر، استعنت بتطبيق «غالوب» المليء بمصادر ومحتوى رائع وتمارين تساعدك في فهم وتوظيف مواهبك لتحولها إلى نقاط قوة. (للأسف استخدام التطبيق حصري لمن أجروا الاختبار، أيضا معظم المصادر عن الاختبار باللغة الإنجليزية، لكن الاختبار نفسه متوفر باللغة العربية).

في تجربتي استفدت كثيرًا من الاستعانة بهذه الأدوات، بعض المواهب الفطرية كنت أعرفها بشكل بسيط، وأخرى لم أدرك وجودها، حتى في عملي أنا الآن واعية أكثر بما يجدر بي التركيز عليه، والأهم من ذلك أن نقاشي مع مديري اتخذ منحًا أفضل، أنا أعرف بالضبط ما هي الأمور التي أسعى إلى ضمها في نطاق عملي وماهي الأمور التي أعمل على دفعها خارج نطاقي، أيضًا تعرفي على مواهبي الفطرية ساعدني كثيرًا على فهم الأسباب خلف تصرفاتي وسلوكي سواء على الصعيد المهني أو الشخصي. 

هل يعني ذلك أن نتجاهل نقاط ضعفنا المهنية؟

بالطبع لا، فالتعرف عليها ضروري لمساعدتنا على تجنب “المطبات” المهنية، كما يساعدنا على معرفة ما يستحق الاستثمار الأكبر من جهدنا ووقتنا لتطويره، وما يجب علينا الاستعانة فيه بأداة لأتمتة المهمة، أو زميل يمتلك المواهب التي لا نمتلكها، مثلا إن كنت شخص سيء في الانتباه للتفاصيل، بدل أن تقتل نفسك بالمحاولات لتحسين هذا الجانب، استعن بمن يملك موهبة فطرية في الانتباه للتفاصيل.

وطبعا عندما نقول نقاط ضعف مهنية فنحن نتحدث في فلك المهارات وأداء المهام، لكن إن كان من نقاط الضعف التي قيلت لموظف ما أن أخلاقه “زبالة” مع زملائه فهذا موضوع مختلف تمامًا يستدعي على الأرجح تدخل معالج نفسي… فتبني حياة مهنية أو حتى شخصية بعقلية تتمحور حول تنمية نقاط القوة، لا يعني أن نلغي عقلية تهذيب وتربية النفس المستمرة.

كلمة راس مع المدراء والقادة حول الإدارة بالـ”قوة” بدلاً من الإدارة بالـ”ضعف”

لا أستطيع حصر عدد المرات التي رأيت فيها موظفين توكل إليهم مهام لا تناسب قدراتهم على الإطلاق، وأنا منهم، فمثلاً رأيت موظف لديه ضعف في الحساب والتعامل مع الأرقام توكل إليه مهام مالية تتعلق بوضع ميزانيات المشاريع، وموظفة أخرى لديها ضعف في المهارات الكتابية واللغوية ومع ذلك توكل إليه مهام كتابة تقارير، ودائما ما يكون تبرير المدراء “مو مشكلة تتعلم مع الوقت، بس تحتاج تشد حيلك!” لطالما اعتقدت أن هذا الأسلوب غير منطقي تمامًا حتى اطلعت إحدى نتائج دراسات «غالوب» ففهمت أين تكمن الإشكالية.

أجرى باحثو «غالوب» خلال عقود مقابلات مع ٣،٧ مليون مدير حول العالم، يتراوح مستواهم بين عادي وممتاز، فوجدوا أن معظم الشركات والمنظمات قائمة على فرضيتين خاطئتين تجاه تطوير قدرات الناس، وهي:

كل إنسان يستطيع التعلم ليصبح ماهرًا في أي شيء تقريبًا

أعظم فرصة تنمية ذاتية لكل إنسان تكمن في العمل على تحسين نقاط ضعفه

لكن من وجهة النظر الباحثين هذه الفرضيات لا تدعم التنمية أو التطوير ولا تقود إليها، بل هي أقرب إلى المحاولة لترميم المهترئ، والفرق شتان بين النهجين..

ومن جهة ثانية وجد الباحثون أن أفضل المدراء حول العالم تقودهم فرضيتين أخرى:

كل شخص لديه مواهب فريدة وجوهرية في شخصيته

أعظم فرصة تنمية ذاتية لكل إنسان تكمن في العمل على تحسين أقوى نقاط قوته

المضحك المبكي أن الكثير من المدراء والقادة يظنون أنهم يعرفون كيف “يقرأون” الشخصيات ويحددون مواهبها أو نقاط قوتها، لكنهم في الحقيقة لا يفقهون ذلك، أو حتى وإن حددوها، فلا يعرفون بالضرورة كيفية استغلالها، لذلك إن كنت في منصب قيادي/إداري، أرجوك احرص على تطوير هذه المهارة عندك أو استعن بمن هو محترف فيها عند تعيين الموظفين الجدد أو اسناد المهام، فالنتائج المترتبة على توظيف المواهب الفطرية ونقاط القوة بالشكل الصحيح، ليست بسيطة.

ففي استبيانات أجرتها «غالوب» على ١٠ مليون موظف، تبيّن أن معظم الموظفين لا تُعطى لهم الفرصة ليوظفوا نقاط قوتهم، وأن عدم توفر فرص يستثمر الموظفون من خلالها مواهبهم الفطرية (نقاط قوتهم) في عملهم، يجعلهم أكثر عرضة لأن يكونوا تعساء في وظائفهم، ويستثقلون الذهاب إلى العمل، وغالب تعاملاتهم مع زملائهم سلبية، ومستوى انجازهم اليومي منخفض، ويفتقرون إلى اللحظات الإيجابية والإبداعية في عملهم.

وفي المقابل، تقترح قاعدة بيانات «غالوب» أن تبنّي نهج توظيف المواهب الفطرية ونقاط القوة بدلاً من التركيز على نقاط الضعف يقود إلى تحسن على مستوى المنظمة ككل، كأن يحدث ارتفاع في المبيعات بنسبة ١٠٪ إلى ١٩٪ أو حتى يتحسن مستوى الربحية بنسبة ١٤٪ إلى ٢٩٪.

كما أن الأثر على حياة الموظفين الشخصية كبير، حيث تقول الاستنتاجات أن الموظفين الذين يعرفون ويوظفون مواهبهم الفطرية/نقاط قوتهم، لديهم القابلية بنسبة ٢٠٠٪ لأن يذكروا إن جودة حياتهم ممتازة، كون العمل يؤثر بالضرورة على العلاقات والصحة والخيارات الحياتية.

وقفة أخيرة، السر وراء السر

لا يختلف إثنان على أننا مطالبون بالتعلم والتطوير وبذل الأسباب لتحسين فرصنا في الحياة، لكن يهمني جدًا التذكير بأن إحدى إشكاليات أدبيات تنمية الذات الحديثة أنها قد توهمنا بأن الأمر كله بيد الإنسان؛ فتحقيق نجاح مهني أو شخصي يعتمد عليك كليًا إذا ما قمت بواحد، اثنين، ثلاثة…شخصيا لا أؤمن بذلك، وأزعل من نفسي حين أنسى أن كل ما أفعله مجرد أخذ بالأسباب وسعي لكنه ليس المسبب، أنا لست المسبب، المسبب هو الله، هكذا.. فقط…والحقيقة هي «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»، أو كما يقول الكاتب عبد الرحيم كمال على لسان إحدى شخصياته في «جزيرة غمام»: “السر إنه.. كلّه منه”.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى