مقالات

البحث العلمي والابتكار أساس تطوير اللغة العربية العلمية

لا يمكن الاستغناء عن اللغة باعتبارها الأداة الأولى بامتياز للتواصل ونشر المعرفة؛ فالمحتوى الفضائي  أو الإلكتروني يتم أساسا عبر اللغة؛ وهذا ما  يجعل الحاجة باستمرار إلى اعتماد مشاريع كبرى في مجال اللسانيات الحاسوبية والترجمة والرقمنة  لتطوير المحتوى الرقمي العربي، خاصة  ونحن نعيش قفزات نوعية في مجال التكنولوجيا.

اللغة العربية العلمية   

يعرف وضع البحث العلمي في العالم العربي، وبالأحرى البحث والابتكار باللغة العربية تحسنا ملحوظا، إلا أن التقدم العلمي في ظل الرقمنة مرهون بإنتاج المعرفة الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المنشودة.

فاللغة مفتاح العلوم، وحوسبتها ورقمنتها مفتاح نهضة معرفية عربية، وخير دليل على ذلك ازدياد عدد المستخدمين العرب ومتعلمي العربية للمحتوى الرقمي على الشابكة، مما يسر العملية التعليمية عن بعد، وأسهم كذلك في نشر الثقافة العلمية خصوصا مع أزمة كورونا والصعوبات والتحديات التي فرضتها، والتي اسلزمت التفكير عن أنجع الوسائل لضمان التعليم للجميع بعيدا مخاطر الإصابة بالمرض. وتبقى المبادرات العلمية لجامعة محمد الخامس رائدة في هذا المجال،  يقول في هذا الصدد السيد رئيس الجامعة د. محمد غاشي  2020 :” في ظل هذا الوضع المتأزم الغير المسبوق كانت ردة فعل جامعة محمد الخامس بالرباط تتسم بفعالية كبيرة وبروح الصمود والمبادرة، مكنتها من الحفاظ على صلة وثيقة بكافة طلابها وطواقمها التريوية والإدارية وشركائها مع ضمان استمرارية أنشطتها الحيوية والنهوض بكامل مهامها الأكاديمية.”

فضلاً عن التعامل مع الآلة المخترعة، خاصة مع مايعرف من ضجة حول الإنترنيت، وطريق المعلوماتالفائق السرعة كلها فرص يجب استثمارها  لتحسين رتبة اللغة العربية بين اللغات العالمية على مستوى شبكة الأنترنيت، بالرغم من كونها  في الرتبة الخامسة من حيث عدد  الناطقين بها. هذا الرقم  لا يوازي  عدد مستخدمي الأنترنيت، الذي يبقى الأعلى بالمقارنة مع  اللغات العشر الأعلى في الاستخدام، وهذه الرتبة ستتحسن بتوفر مجموعة من الشروط من أهمها تعليم لغات البرمجة الرئيسة باللغة العربية وتطبيقها مثل بيثون وجافا. مع تشجيع المبرمجين العرب عبر إرساء تعليم البرمجة باللغة العربية.

المدونة العلمية  العربية

تشكل  المدونة أو المكانز لبنة أساسية في المحتوى العربي، فهي تتضمن  ماكتب بالعربية عبر التاريخ في مختلف التخصصات، وهي على شكل بنوك للمصطلحات وللمعلومات متواجدة في مجموعة من الدول العربية في كل من السعودية ومصر وسوريا والأردن وتونس والمغرب، وتشكل  مدخلا لمحركات البحث العالمية  الداعمة للغة العربية مثل جوجل كروم وفايرفوكس وغيرها. إلا أننا نحتاج إلى تطوير محركات بحثية عربية، مزودة بقاعدة بيانات عربية تساهم في في عملية فهم الآلة للغة العربية.

محركات البحث العلمية العربية

تعد محركات البحث العلمية أهم الأدوات التي يوظفها كل باحث لأنها تيسر البحث من حيث الوقت والجهد لابد من الإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه المؤسسات البحثية وبعض الشركات التجارية في عملية  تطوير برامج نظم  الترجمة الآلية، وهذا لا يقتصر فقط على الترجمة المكتوبة، أي التحريرية بل يشمل أيضا مظاهر أخرى مثل ترجمة اللغة المنطوقة وهي تكنولوجيا الترجمة من الكلام إلى الكلام التي طورتها شركة NEC.

مشروع  ويكيبديا العربيةمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية

نذكر من بين معاهد البحوث المتخصصة في مدينة  الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية:

معهد بحوث الحاسب ؛

معهد بحوث الموارد الطبية والبيئية ؛

معهد بحوث  الطاقة الذرية ؛

معهد البحوث البترول والغاز ؛

في سياق الحديث عن المحتوى العلمي العربي الرقمي، نؤكد على قدرة اللغة العربية على مواكبة مستجدات الخطاب العلمي، هذه المواكبة التي يجب أن تنبني على  خطة لغوية تأخذ بعين الاعتبار ما تقتضيه عملية الترجمة من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف من خضوع هذه المفردات المترجمة أو الدخيلة إلى نسق اللغة الهدف، فإدماج مصطلحات في النسق العربي مثلا يستوجب منحها خصائص هذا النسق، لأن الاقتراض من اللغة الأجنبية لا يعني العشوائية، بل يتم وفق عملية اصطلاح كتخطيط محكم يتبناه اللساني المؤهل بفضل درايته العميقة للضوابط والقواعد التي تحكم عملية تكوين المصطلح.

والحاجة الملحة إلى القواميس الورقية والإلكترونية أحادية اللغة ومتعددة اللغات مازالت قائمة، ولاحظنا أثناء تصفحنا المواد الموجودة في المعاجم أننا نفتقر إلى معاجم عصرية حديثة تواكب المفردات والمفاهيم العلمية والحضارية/الثقافية التي تظهر باستمرار وهذا لا يعني بخس ما يتوفر عليه رصيدنا العربي من المعاجم بفضل العمل الجاد الرصين لثلة من المعجميين العرب الذين حاولوا أن يصبغوا المعجم العربي بصبغة الحداثة بما يتوافق  مع طبيعة العصر ومتطلباته الحضارية والعلمية، نذكر، في هذا الصدد، من بين هذه المعاجم  العلمية معجم الكمبيوتر كما يوضحه الجدول 1 التالي:

الجدول رقم  (1) المعجم الشارح لمصطلحات الكمبيوتر إنجليزي –عربي، محمد محمد الهادي

ثم معجم مصطلحات كوفيد -19 (إنجليزيفرنسيعربي) الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مكتب تنسيق التعريب، وقمنا بانتقاء بعض المصطلحات منه.

كما في هو مبين في الجدول رقم 2.

ونورد هنا  بعض المصطلحات التي عرفت تداولا  مع مرض كوفيد 19 ، مثلا   عقار ديكساميثازون الذي  يوصف بفعاليته في خفض نسبة الوفيات عند مرضى كورونا وكذلك المصطلحات المتعلقة بالعزلة الاجتماعية مثل الحجر الصحي والعزل الذاتي والتباعد الجسدي. ويشير الباحثون إلى كون هذه المصطلحات كانت موجودة قبل أزمة جائحة كورونا، لكنها عرفت شيوعا أكثر في عام 2020 .

خاتمة

منذ القديم ظهرت حاجة الأمم إلى المصطلحات العلمية باعتيارها أدوات توطين المعرفة، وكذا البحث العلمي، ونشير هنا إلى أهمية التراكم المعرفي العربي في مجالات مثل الطب والصيدلة والمعلوميات الذي  شكل  مادة أساسية بالنسبة للمختصين والباحثين والمهتمين وهذا يقتضي خطة لغوية قادرة على استثمار الفرص المتاحة والمتمثلة في الوسائل التكنولوجية والتراكم المعرفي العربي  الضخم الذي تركه القدماء في شتى العلوم، فضلا عن الجهود  العلمية للمحدثين قصد تحقيق إنتاج المعرفة باللغة العربية ومجموعة من المبادرات العربية  الفاعلة  التي تهدف إلى تمكين اللغة العربية في التكنولوجيا وتطويرها قصد تحقيق قفزة نوعية في عالم البحث العلمي والمعرفة العربية، لأن مشكل اللغة العربية العلمية أو ندرة المصطلحات العلمية العربية كلها مسائل ترتبط بالبحث العلمي والابتكار في  ظل الجامعات العربية والمؤسسات الحكومية العلمية العربية ومدى دعم الترجمة في المنظمات الدولية ومنها اليونسكو، وكذلك معاهد البحث مثل  معهد الدراسات والأبحاث للتعريب جامعة محمد الخامس بالرباط، وأكاديمية محمد السادس للغة العربية، وأكاديمية المملكة المغربية إلى جانب المراكز العربية المتخصصة في تهييء المصطلحات والمفاهيم العلمية كالمجامع اللغوية بالرغم من المجهودات المبذولة في هذا المجال وفي مجال الترجمة التي تختلف عن التعريب بالرغم منالعلاقة الحميميةبينهما على حد تعبير أبو العزم (1999) فالترجمة وحدها غير كافية لمواجهة، بل مواكبة التدفق الهائل للمفردات الأجنبية.

لابد من الإشارة إلى الدور الأساسي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في مجال دعم دول العالم الإسلامي في يخص توطين البحث العلمي والابتكار والتطوير التكنولوجي، وذلك وفق الأسسس المنهجية والمعرفية التي من شأنها ضمان التعاقد التشاركي بين جميع الفئات الاجتماعية في الدول الأعضاء؛ فضلا عن العمل على تشجيع النهج التبادلي للممارسات المثلى على الصعيدين الإسلامي والدولي، في ظل الشراكة الإقليمية والدولية؛ مع خلق شروط  إرساء القواعد والأسس التربوية والثقافية لتقوية وتعزيز الهوية الإسلامية وتمكينها دوليا.

د.أمينة اليملاحي

جامعة محمد الخامس بالرباط/معهد الدراسات والأبحاث للتعريب

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى