منوعات

الاقتصاد الرقمي.. الحتمية التقنية والاجتماعية

المتأمل للتحولات التقنية يلاحظ دور العلاقات والتواصل والتشبيك (Networking) الذي قادته عملية الابتكار التقني ابتداءً من القطار، المصباح الكهربائي، الانترنت والهاتف الذكي والتطبيقات الحديثة، حيث يتضح جلياً دور التشبيك والتواصل في بروز المجتمع الرقمي والإقتصاد المعرفي وإنترنت الأشياء. وهذه التقنية التي ولدتها التقنية تطرح أسئلة مهمة منها “ما هو أثر التقنية في الثقافة؟ وهل سنشهد نمطاً جديداً للإقتصاد والثقافة والابداع؟ وهل ثورة المعلومات ستفضي إلى حالة من التجديد الثقافي في عصر الصورة والمعلومات السريعة المختزلة؟. تمثل الحتمية التقنية مدرسة فكرية ترى أن التقنية ستشكل حالة ثقافية ومجتمعية جديدة، بينما يقابل ذلك أصحاب نظرية الحتمية الاجتماعية والتي ترى أن المجتمع يعمل على بناء التقنية حسب حاجاته.

وهذه العلاقة الجديدة المركًبة بين علاقة التقنية والمجتمع والثقافة تحدد طبيعة تعاملنا وتفاعلنا مع التقنية الجديدة مثل (Facebook) وتوتير وأمازون وانستجرام وLinkedIn، وهذه التقنيات أصبحت تمثل حالة من التجديد الثقافي وتبرز في تدفق المعلومات المنوعة والمختزلة التي تتميز بالفورية والسرعة وحجم المعلومات الكثيف.

ومن الممكن رصد جملة من التحولات في عصر الإقتصاد والمجتمع الرقمي والتي تتمثل في القطيعة الثقافية مع الكتاب والمجتمع وغياب الملكية الفكرية والنشر الاجتماعي مثل الويكيبيديا والتحول في بناء الهوية والمجتمع والثقافة. فعلى صعيد المجال الثقافي أصبح لدينا مجتمع من الهواة والخبراء الناشرون في الفضاء العام وأصبح الفرد مستهلكاً ومنتجاً للمعرفة التشاركية والمفتوحة للمجتمع. (Open source) لكن هذا التحول على صعيد النشر الإلكتروني للصورة والموسيقى والأفلام والكتب سيؤدي إلى ما يسمى حالة من الهدم المبدع (Creative destruction) ينتج عبر غياب بعض المنتجات التقليدية مثل القلم والكتاب ولغة التواصل المكتوبة كما ألفها جيلنا (جيل اللاجئين الرقميين).

هذه القطعية الثقافية مع الكتاب أدّت إلى بروز أنماط جديدة من الكتابة الرمزية المجتزئة والتي تعيد صياغة المعلومات والفن والأدب بطريقة الدمج (Remix)، ولكن التساؤل هو عن مستوى الإبداع الناتج عن تركيب المعلومات. كذلك أصبحت عملية الربط على الشبكة العنكبوتية حالة ضرورية للحياة لا يستطيع الجيل الرقمي التخلي عنها مثل الماء الهواء والغذاء، لكنها تمثَل حالة من الفردية المتصلة والتي تفتقد التواصل الإنساني الحميم بل تعيش حالة من العزلة رغم كثافة المعلومات والعلاقات الرقمية. وهذا هو عصر الصورة حيث يوثق عبر الصورة الحدث والفلم القصير في برامج YouTube وانستجرام والتي تمثل جزءاً من الهوية وتقدير الذات وقبول الآخر. وتشكل آراء المعجبين وليس الخبراء مصدراً للشهرة وسبيلاً لبناء معلومات مرجعية حول نوع الخدمة في ضوء تجارب المستخدمين. وعلى صعيد الفرد أصبحت آراء المعجبين مقياساً لتعزيز الثقة وبناء الهوية التي يستخدمها البعض في الترويج لسلعة ما عبر الإقتصاد الرقمي.

لكن المعضلة تكمن في مدى مصداقية هذه المعلومات التي تنهال علينا من كل حدب وصوب، وهنا نرى ضرورة ضبط الجودة والمصداقية لهذه الصور والمعلومات المركبة بأدوات مبتكرة في عهد الإقتصاد والمجتمع الرقمي، حيث يتم التواصل بحركة من أصبع السبابة. وكذلك يمتاز المجتمع الرقمي بالمساهمة في بناء نمط جديد من الهوية الرقمية والثقافة المجتمعية (غير مسجلة للملكية الفكرية) عبر الإسهام في النشر عبر المدونات والموسوعات الثقافية الفكرية التي تحتكم إلى مراجعة تطوعية من المجتمع الإفتراضي ضمن مجال معرفي معين. وهذا يقودنا إلى إشكالية محدودية الإسهام في المحتوى العربي (لغة الضاد) مقارنة باللغات الأخرى. لكنه في الوقت ذاته، يوفر فرصاً مميزة لتعزيز المحتوى العربي إذا توفرت الحوافز للمشاريع الريادية لبناء المعرفة ضمن سياق عربي من أجل خدمة مشروع النهضة والتنوير والتنمية المستدامة عبر تعزيز التفاعل بين الخبراء وعامة أفراد المجتمع والشباب العربي.

ولعل من أهم تداعيات عصر الثورة الرقمية هو تنامي الوعي الثقافي والسياسي وزيادة الشفافية والمساءلة وزيادة منسوب الذكاء المجتمعي (Citizen Intelligence) مما يعزز من الديمقراطية السياسية رغم الفجوة التقنية (Digital gap) بين الدول الصناعية والنامية. لذا نجد أن فرض ضريبة على وسائل التواصل الإجتماعي تواجه برد فعل شعبي واسع.

لكن هناك مخاوف من تصاعد حالة من “القبلية” الرقمية في الفضاء الإفتراضي حيث تتعدد الهويات والمرجعيات في ظل حرية التعبير والرأي رغم جدلية التحرر والهيمنة التي يمتاز بها المجمع الرقمي لأن تدوين الآراء والمشاركة الحرة يمكن رصدها وتشكًل جزءً من الهيمنة والتحكم في إقتصاد ظاهره فيه ” الحرية” لكن باطنه فيه التحكًم والهيمنة.

خلاصة القول، إن الثورة الرقمية وإنترنت الأشياء يمتزج في إنترنت الأفكار ويُقرب المسافة بين العلم والإيمان، لأن أعمالنا وحركاتنا قابلة للتسجيل والاسترجاع بالصوت والصورة واللون.

أ.د.عوده راشد الجيوسي

رئيس قسم إدارة الابتكار والتقنية/جامعة الخليج العربي

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى